Sunday, July 3, 2011

برمهنسا يوغانندا: الحياة بعد الموت

أيام سري يوكتسوار الأخيرة

و

سري يوكتسوار يُبعث حياً


للمعلم برمهنسا يوغانندا

ترجمة حديثة منقحة: محمود عباس مسعود

-------

مزيد من تعاليم المعلمين

برمهنسا يوغانندا وسري يوكتسوار

على الرابط التالي

سويدا يوغا

" إنني سعيد لأن أجدك لوحدك هذا الصباح يا سيدي."

بهذه الكلمات خاطبت معلمي فور حضوري إلى صومعة سيرامبور وبيدي سلة من الثمار والورود. فنظر إليّ سري يوكتسوار بوداعة، وتطلع حوله في الغرفة كما لو كان يلتمس مخرجاً وأجابني: "ما الذي تريده؟"

تطلعت إليه متوسلا وقلت: "جئت إليك يا سيدي الكريم عندما كنت طالباً في الثانوية، وقد أصبحت الآن رجلا وقد غزا الشيب شعري. ومع أنك غمرتني بعطفك الصامت منذ اللحظة الأولى لغاية الآن، لكن هل تدرك أنك لم تقل لي أنك تحبني إلا في يوم لقائنا فقط؟"

خفض المعلم نظرته وقال: "يوغانندا، هل ينبغي لي أن آتي إلى منطقة الكلام الباردة بالعواطف الدافئة التي يجب حمايتها في أعماق القلب الساكنة، بعيداً عن الكلام؟"

فقلت: "إنني أعلم يا معلمي الحبيب أنك تحبني، لكن أذنيّ تتشوقان لسماع ذلك."

فقال: "حسناً، ليكن ما تريد. لقد كنتُ أتوق أحياناً إبان حياتي الزوجية إلى ولد أدرّبه في طريق اليوغا. ولكنك عندما ظهرت في أفق حياتي رضيت بك ووجدت فيك ابناً." وفي تلك اللحظة وقفت دمعتان صافيتان في مقلتيّ سري يوكتسوار، وأضاف: "إنني أحبك على الدوام يا يوغانندا."

فأجبته: "إن جوابك هذا هو جواز سفري إلى السماء."

وشعرت كأن حملا ثقيلا قد أزيح عن قلبي وذاب للأبد بفعل كلماته. لقد كنت أتعجب من صمته أحياناً. وبما أنه كان جاداً ومتحفظا لا يبدي عواطفه، فقد خشيت أنني لم أفلح في كسب رضاه. لقد كان ذا طبيعة غريبة يصعب إدراكها تماماً: طبيعة عميقة وهادئة يعصى سبر غورها على العالم الخارجي الذي تخطى معلمي قيمه منذ أمد بعيد.

وبعد بضعة أيام حاضرت جمهوراً كبيراً في قاعة ألبرت بكلكتا، وقد رضي سري يوكتسوار بالجلوس على المنصة بجواري مع كل من مهراجا سانتوش ومحافظ كلكتا. ومع أن المعلم لم يبدِ أية ملاحظة لكنني تطلعت إليه خلسة أثناء خطابي، وأعتقد أنني لمست ولمحت الرضا في وجهه.

بعد ذلك تحدثت أمام طلاب كلية سيرامبور السابقين. وعندما نظرت إلى زملاء الدراسة القدامى ونظروا إلى "ناسكهم المجذوب" طفرت عيناي دون خجل بدموع الفرح. وتقدم لتحيتي أستاذي في الفلسفة الدكتور غوشال المشهور ببلاغته وفصاحته، وقد ذابت كل خلافاتنا الماضية في كيمياء الزمن.

واحتفلتْ صومعة سيرامبور بعيد الانقلاب الشتوي في آخر ديسمبر/كانون الأول. وكالعادة اجتمع تلاميذ سري يوكتسوار من بعيد وقريب وأنشد كريسو دا لوحده تراتيل روحية بصوته العذب الرخيم المعبر عن الحب المقدس والأشواق الإلهية. وقد تلا ذلك وليمة من إعداد تلامذة فتيان، ثم محاضرة عميقة وملهمة أتحفنا بها المعلم تحت القبة الزرقاء في باحة المنسك الحاشد بالمريدين والأصدقاء، ويا لها من تذكارات للقاءات وأعياد بهيجة تتوارد على الذاكرة! لكن حدث في تلك الليلة أمرٌ جديد، إذ خاطبني المعلم بالقول: "أرجو يا ياوغانندا أن تلقي محاضرتك بالإنكليزية."

وقد أبرقت عينا المعلم لهذا الطلب المزدوج غير العادي. فهل كان يفكر في موقفي الحرج في الباخرة عند إلقاء محاضرتي الأولى بالإنكليزية؟ لقد رويت القصة للحاضرين من إخواني التلاميذ واختتمتها بإشادة حماسية بفضل معلمنا العظيم نابعة، من أعماق الوجدان، وقلت: "لقد كان إرشاده المتواصل حاضراً معي على الدوام، ليس على متن الباخرة وحسب، بل في كل يوم خلال الخمس عشرة سنة التي قضيتها بعيداً في أرض أمريكا الرحبة المضيافة."

وبعد أن غادر الضيوف الصومعة استدعاني سري يوكتسوار إلى نفس غرفة نومه (حيث سمح لي ولمرة واحدة فقط، عقب احتفال مشابه أن أرقد في سريره). في تلك الليلة كان معلمي يجلس بهدوء ويجلس عند قدميه على شكل نصف دائرة عدد من تلاميذه.

وخاطبني قائلا: "يوغانندا، هل أنت ذاهب الآن إلى كلكتا؟ أرجو أن تعود إليّ غدا لأن لديّ أموراً أريد أن أبحثها معك."

بعد ظهر اليوم التالي منحني سري يوكتسوار اللقب النسكي الجديد برمهنسا Paramahansa(1) مشفوعاً ببركة منه.

وقال لي عندما انحنيت أمامه: "إن هذا اللقب الجديد يحل رسمياً محل لقبك السابق (سوامي). وابتسمت عندما فكرت بالصعوبة التي سيواجهها تلاميذي الأمريكيين عند محاولة نطقهم كلمة برمهنساجي.(2)

وقال المعلم بهدوء وهو ينظر إليّ بعينين رقيقتين: "لقد انتهت مهمتي في هذه الحياة، وعليك أن تواصل المسيرة."

واضطرب قلبي عندما واصل حديثه قائلا:

"أرجوك أن تبعث بشخص لإدارة شؤون صومعتنا في كلكتا. إنني أضع كل شيء بين يديك، وسوف تتمكن بنجاح من توجيه سفينة حياتك ومؤسسة (معرفة الذات في الغرب وفي الهند) إلى الشواطئ الإلهية.

أمسكت بقدميه والدمع ينهمر من عينيّ، فنهض وباركني بحنان.

وفي اليوم التالي استدعيت من رانشي التلميذ سوامي سابانندا وأرسلته إلى بوري للقيام بواجبات المنسك، ثم بحث معي المعلم التفصيلات القضائية المتعلقة بتسوية ممتلكاته. وكان يرغب في أن لا يحاول أقرباؤه بعد وفاته بالمطالبة بصومعتيه وأملاكه الأخرى التي كان يرغب في تخصيصها لأغراض البر والإحسان.

وفي بعد ظهر أحد الأيام جاءني أخ في التلمذة يدعى أميولايا بابو قائلا:

"لقد قمنا مؤخراً بالترتيبات اللازمة للزيارة التي كان المعلم ينوي القيام بها إلى كيدربور لكنه لم يتمكن من الذهاب."

لدى سماعي هذه الكلمات شعرت بموجة باردة وتوجست حدوث مكروه. وعندما ألحفت في السؤال عن سبب عدم ذهابه لم يقل سري يوكتسوار سوى "لن أذهب بعد اليوم إلى كيدربور"، وكان يرتجف كالطفل الخائف.

وقد قال باتنجالي(3) في هذا المعنى: ("إن التعلق بالهيكل الجسدي هو إحساس نابع من طبيعة التعلق نفسه وموجود بنسبة ضئيلة حتى في عظماء القديسين."

وفي حديثه عن الموت كان معلمي يعلـّق على ذلك بالقول: "تماماً كما يتردد الطير الذي طال أسره في مغادرة قفصه عندما يُفتح باب القفص.")

واستعطفته وأنا أنشج: "بالله لا تقل ذلك يا سيدي! ولا تسمعني هذه الكلمات أبداً!"

لانَ وجه سري يوكتسوار بابتسامة عذبه، وكان يبدو معافىًً وقوياً مع أنه كان على أعتاب الحادية والثمانين. وإذ كنت أستدفئ يوماً بعد يوم بأشعة محبته التي يحسّها القلب ولا يمكن التعبير عنها بالكلام فقد أقصيتُ من عقلي تلميحاته العديدة لقرب رحيله.

وأطلعت معلمي على بعض التواريخ في تقويم بنغالي(4) وقلت: "سيدي، إن أعياد الكومبها ميلا ستلتئم هذا الشهر في الله أباد." فأجابني: "وهل ترغب حقاً في الذهاب؟"

لم أشعر بتردد سري يوكتسوار لتركي إياه فقلت: "لقد قابلتَ ذات مرة السيد المبارك باباجي في أحد أعياد الله أباد، وقد يسعفني الحظ وأسعد أنا أيضاً برؤيته هذه المرة."

فأجابني: "لا أعتقد أنك ستلتقي به هناك." ثم التزم الصمت مفضلاً عدم الاعتراض على رغبتي.

وحينما ارتحلت في اليوم التالي متوجهاً إلى الله أباد مع مجموعة صغيرة باركني المعلم بهدوئه المعتاد. وعلى ما يبدو أنني كنت غافلا عن توسلات سري يوكتسوار الضمنية، لأن الله أراد أن يعفيني من رؤية معلمي وهو يؤخذ من أمام عينيّ. وقد حدث ذلك أثناء وفاة أحبائي، إذ سمحت العناية الإلهية بأن أكون بعيدا عن مثل تلك المشاهد المؤلمة.(5)

وصلت جماعتنا إلى مكان الإحتفالات في الثالث والعشرين من شهر يناير/كانون ثاني 1936، وقد كان مرأى الجمع الحاشد الذي يناهز عدده المليونين بالغ التأثير في النفس بل يبعث على الدهشة والذهول. وتتمثل عبقرية الشعب الهندي – بما في ذلك أصغر فلاحيه – في الاحترام الكامن للروح الإلهي وللنساك والسادهوز sadhus الذين نبذوا العلاقات الدنيوية في سبيل البحث عن مرفأ أكثر قدسية. ما من شك أن الدجالين والمخادعين موجودون فعلا، لكن الهند تحترم الجميع إكراما لؤلئك القلائل العارفين الذين ينشرون النور والبركات السماوية في البلاد. وقد حصل الغربيون الذين أتيحت لهم رؤية الاحتفالات الرائعة على فرصة نادرة لسبر أغوار القلب الهندي النابض والشعور بالحماس الروحي المتأجج، ذلك الحماس الذي تدين له الهند بالاحتفاظ بحيويتها الخالدة تحت ضربات الزمن.

صرفتْ مجموعتنا اليوم الأول في النظر والتحديق حيث آلاف الحجاج الذي يغتسلون في الغانج المقدس لغفران الخطايا، والكهنة البراهمة الذين يؤدون طقوس تعبدية جادة، وتقدمات موضوعة عند أقدام نساك صامتين، وصفوف من الفيلة والجياد المطهمة وجمال راجبوتانية تمر أمامنا بسير وئيد، وعرض غريب للسادهوز العرايا المتقشفين وهم يلوحون بصولجانات من ذهب وفضة أو برايات من المخمل الحريري. أما المتوحدون الذي يغطون وسط أجسادهم بقطع من قماش فقد جلسوا متربعين في مجموعات صغيرة وقد لطخوا أجسادهم بالرماد اتقاءً للحر والبرد. وكانت علامة العين الروحية تبدو بجلاء فوق بقعة من طلاء خشب الصندل. أما السواميون الحليقو الرؤوس فقد ظهروا بالألوف بلباسهم الأصفر وهم يحملون عصيا من الخيزران مع أواني تقبـّل التقدمات، وقد أشرقت وجوههم بسلام منْ هَجَرَ الدنيا. وكانوا يسيرون أو يتناقشون في أمور فلسفية مع أتباعهم.

وهنا وهناك تحت الأشجار، حول أكوام هائلة من الحطب المشتعل، جلس السادهوز(6) ذوو الوجوه البهية البهيجة، وقد ضفروا شعورهم المجدولة فوق رؤوسهم. وكان بعضهم من ذوي اللحى الطويلة التي يبلغ طول بعضها بضعة أقدام، وقد تم تجعيدها وربطها بعقد، وهم يتأملون في سكينة أو يبسطون أيديهم لمباركة الجمع الحاشد والمتحرك من المتسولين والمهراجات الجالسين فوق الفيلة، والسيدات بثيابهن المزركشة والمتعددة الألوان وحليهن وخلاخلهن الرنانة، والفقراء بأذرعهم الممتدة بطريقة غريبة، وناذري العفة وهم يحملون مساند أذرع للتأمل، والحكماء المتواضعين الذين أخفى مظهرهم الجاد غبطة باطنية. وفوق كل هذا العجيج والضجيج كانت أجراس المعابد تقرع قرعاً متواصلا داعية الحشود للعبادة والتأمل.

وفي ثاني أيام العيد دخلت مع رفاقي صوامع مختلفة وأكواخ مؤقتة لتقديم التحية لشخصيات روحية مبجلة، وقد حصلنا على بركة قائد شعبة (الجيري) لسلك السوامي. وهو راهب نحيف متقشف تشبه عيناه النار المبتسمة. وكانت زيارتنا التالية لصومعة نذرَ رئيسُها الصمت خلال السنوات التسع الماضية وقـَصَرَ طعامه على الثمار فقط. وعلى مصطبة تتوسط قاعة المنسك جلس السادهو الكفيف البصر براجنا شاكشو(7) الفقيه في الأسفار المقدسة (الشاستراز (shastras والذي تجله وتقدره كافة الطوائف.

وبعد أن ألقيت كلمة بالهندية عن الفيدنتا غادرت جماعتنا الصومعة الهادئة للسلام على ناسك قريب يدعى كريشنانندا، وهو راهب بهي الطلعة متورد الخدين، عريض المنكبين. وكانت تقبع بجانبه لبؤة أليفة استكانت بالتأكيد – لا لتكوينه البدني القوي – بل لجاذبيته الروحية! وكانت ترفض جميع أنواع اللحوم مفضلة الأرز والحليب. وقد لقن السوامي هذه اللبؤة ذات اللون الأصفر المائل إلى السمرة كي تنطق كلمة (أوم) بزئير عميق جذاب. يا لها من قطة متعبدة!

أما مقابلتنا الأخرى فكانت مع سادهو مثقف، ما زال في طور الشباب. وقد وصف المستر رايت تلك المقابلة وصفاً دقيقاً في يوميات أسفاره الرائعة، على هذا النحو:

"ركبنا سيارتنا الفورد واجتزنا نهر الغانج المنخفض فوق جسر من الأخشاب قائم على زوارق وله صرير. وانسللنا بين الجموع الغفيرة داخل الأزقة الضيقة ذات الانعطافات، واجتزنا نفس المكان الذي التقى فيه باباجي بسري يوكتسوار بحسب ما قال يوغاننداجي. وإذ ترجلنا من السيارة بعد فترة قصيرة سرنا بضع خطوات وسط الدخان الكثيف لنيران السادهوز فوق الرمال الزلقة وبلغنا مجموعة من الأكواخ الصغيرة المتواضعة جدا المصنوعة من الطين والقش، ووقفنا أمام مسكن بسيط له مدخل صغير لا باب له يقطنه السادهو الشاب المتجول كارا باتري المعروف بذكائه المتوقد. وكان يجلس متربعا فوق كومة من القش. أما غطاؤه الوحيد فكان عبارة عن قطعة من القماش البرتقالي اللون يلفها حول كتفيه هي كل ما يملكه من حطام الدنيا.

"لقد كان وجهه الذي رحب بنا بابتسامة يشع قداسة، وكنا قد زحفنا على الأربع للدخول إلى الكوخ. وقدمنا التحية أمام هذه النفس المتنورة، في حين كان مصباح الكيروسين يخفق محدثاً بذلك ظلالا غريبة مهتزة على الجدران المصنوعة من الطين. وكان وجهه، وبالأخص عيناه وأسنانه التامة تتألق ببريق خاص. ومع أنني أجهل الهندية، لكن تعبيراته كانت تفصح بجلاء عما يقوله؛ إذ كان يفيض حماساً وحباً ومجداً روحياً بحيث لا يمكن أن تخفى عظمته على أحد.

"تصور الحياة السعيدة لإنسان لا يقيده شيء بالعالم المادي، متحرر من مشكلة اللباس، ومن مشتهيات الطعام، لا يستجدي شيئاً ولا يتذوق المأكولات المطبوخة إلى نادرا، ولا يحمل وعاء تسوّل. وقد تحرر من مشكلة المال فهو لا يلمس النقود ولا يختزن شيئاً، وقد وضع ثقته في الله وتحرر من هموم التنقلات. فهو لا يركب السيارات بل يسير على قدميه على شواطئ الأنهار المقدسة، ولا يظل في مكان واحد لأكثر من أسبوع مخافة التعلق والارتباط.

"هذا هو صاحب النفس المتواضعة، المتفقـّه بكيفية غير عادية في علوم الفيدا المقدسة، الحاصل على درجة الماجستير وعلى لقب (شاستري) أي أستاذ في الأسفار المقدسة من جامعة بنارس. وقد غمرني إحساس روحي فائق عندما جلست عند قدميه، وشعرت أن رغبتي في أن أرى الهند القديمة على حقيقتها قد تحققت. وبالحقيقة وجدت به مثالا صادقا لهذه البلاد المعروفة بعمالقة الروح."

وسألت كارا باتري عن حياته الجوالة قائلا:

"ألا تملك ملابس إضافية للشتاء؟"

- كلا، ففي هذه الكفاية.

- "وهل تحمل كتباً؟"

- "كلا. إنني أعلـّم من الذاكرة الذين يرغبون سماعي."

- "وماذا تفعل غير ذلك؟"

- "أتجول قرب الغانج."

وعندما نطق هذه الكلمات الهادئة تملكني حنين جارف للحياة البسيطة، ولكني تذكرت أمريكا والمسئوليات الكبرى الملقاة على عاتقي، ففكرت للحظة بحزن:

"لا يا يوغانندا. إن التجول بجانب الغانج ليس من نصيبك في هذه الحياة."

وبعد أن حدثني السادهو عن بعض مدركاته الروحية سألته سؤالاً مقتضباً:

"هل تعطي هذه الأوصاف نقلا عن الكتب المقدسة أم نتيجة لاختباراتك الذاتية؟" فأجابني بابتسامة عريضة:

"نصفها من مطالعة الكتب، والنصف الآخر من تجربتي الشخصية."

وجلسنا لبرهة قصيرة في هدوء وتأمل صامت، وبعد أن غادرنا تلك الحضرة المقدسة قلت للمستر رايت: "إنه ملك روحي يتربع على عرش من القش الذهبي."

وتناولنا عشاءنا في تلك الليلة فوق أرض العيد، تحت قبة السماء، من أطباق مصنوعة من أوراق الشجر شـُبكت معاً بالعيدان. لقد تم اختزال غسل الصحون في الهند إلى أدنى حد!

بقي من الاحتفالات البهيجة يومان آخران فتوجهنا إلى الشمال الغربي على طول شاطئ نهر يمونا باتجاه أغرا حيث متعت البصر مرة أخرى بجمال التاج محل وتذكرت جيتندرا وهو يقف بجانبي وقد أذهلته روعة المبنى الرخامي. بعدها قصدنا منسك السوامي كيشابانندا في برندبان. وكنت أنوي مقابلة كيشابانندا لأمور تتصل بحياة لاهيري مهاسايا، فكنت أثناء وجودي في الهند أغتنم كل فرصة للاتصال بتلاميذ المعلم المباشرين وأقاربه المقربين، وأقوم بتدوين أحاديثهم في مذكرات مستفيضة وأحقق الوقائع والتواريخ، وأجمع الصور الشمسية والرسائل والمستندات القديمة. وقد بدأت حقيبة أوراقي الخاصة بلاهيري مهاسايا تنتفخ، وأدركت بجزع مدى ما ينتظرني من مهام شاقة تتعلق بالكتابة والتأليف، فتضرعت إلى الله كي يأخذ بيدي ويمنحني العون لترجمة حياة هذا المعلم الفائق الذي خشي فريق من تلاميذه من أن تدوين سيرته قد يؤدي إلى التقليل من شأنه أو إساءة فهمه.

وقد قال لي بانشانون بهاتاتشاريا ذات مرة:

"بالكاد يستطيع المرء التعبير بكلمات باردة عن حياة تجسّد إلهي."

وقد قنع تلاميذ آخرون مقربون بأن يظل قطب اليوغا الأعظم مرشداً خالداً في أعماقهم فقط. ولكن بما أنني كنت مدركاً لنبوءة لاهيري مهاسايا بخصوص تدوين سيرة حياته فأنني بذلت قصارى جهدي في الحصول على معلومات ذات صلة بحياته الظاهرية والتحقق من صحتها.

وقد حيّا سوامي كيشابانندا جماعتنا ورحّب بنا ترحيباً حاراً في منسكه كاتاياني بث في برندبان، وهو بناء ضخم وفخم مصنوع من الطوب تسنده أعمدة سوداء مثبتة وسط حديقة غنـّاء. بعد ذلك بقليل دعانا إلى صالون للجلوس تزينه صورة مكبرة للاهيري مهاسايا. ومع أن الناسك كان قد شارف التسعين من عمره إلا أن جسمه العضلي كان يشع قوة وعافية. وكان يبدو بشعره المسترسل ولحيته الناصعة البياض وعينيه المتوقدتين فرحاً شيخاً وقوراً طيب القلب وصافي النية. وقد أخبرته أنني أنوي ذكر اسمه في كتابي الذي أعتزم تأليفه عن معلمي الهند وحكمائها.

ولما كنت أعلم أن عظماء اليوغيين عادة ما يلتزمون الصمت، فقد توددت إليه وأنا أبتسم: "أرجو أن تطلعني على بعض محطات حياتك المبكرة."

فأومأ كيشابانندا بتواضع وقال: "لا يوجد الكثير مما له أهمية خارجية، إذ قد صرفت معظم حياتي تقريبا في خلوات الهملايا متنقلا على قدمي من مغارة إلى أخرى. وقد احتفظت لبعض الوقت بصومعة صغيرة خارج هردوار تحيط بها الأشجار الباسقة من كل جانب. وقد كانت خلوة هادئة قلما وطأتها أقدام الزائرين لكثرة ثعابين الكوبرا فيها."

قهقه كيشابانندا وواصل حديثه: "بعد ذلك جرف أحد فيضانات الغانج الصومعة والحيات السامة معاً! بعد ذلك ساعدني تلاميذي على بناء صومعة برندابان هذه."

وسأل أحد أفراد الجماعة السوامي عن الطريقة التي اتبعها لتجنب أذى نمور الهملايا الشرسة.(8)

فهز كيشابانندا رأسه مجيباً: "الوحوش الضارية نادراً ما تزعج اليوغيين في تلك المرتفعات الروحية. وفي إحدى المرات التقيت وجهاً لوجه مع نمر في الغابة، فعاجلته بزعقة قوية جعلته يجمد في مكانه كالحجر." وقهقه السوامي مرة أخرى لتلك الذكريات ثم قال: "أحياناً كنت أترك خلوتي وأذهب إلى بنارس لزيارة معلمي الذي اعتاد على ممازحتي بسبب تنقلاتي المتواصلة في مجاهل الهملايا، وقال لي ذات مرة:

"إن دمغة الهيام بالتنقل والتجوال مطبوعة على قدميك، ويسعدني أن الهملايا المقدسة واسعة بما يكفي لاحتواء أسفارك!"

واستطرد كيشابانندا: "لقد ظهر لاهيري مهاسايا أمامي بالجسد مرات عديدة قبل وبعد وفاته. فبالنسبة له لا توجد قمم هملائية منيعة يتعذر الوصول إليها."

وبعد ساعتين دعانا إلى مأدبة الغداء فتنهدت ببعض التوجس وقلت في نفسي: "وجبة أخرى من خمسة عشر لونا!" ففي أقل من عام من الضيافة الهندية ازداد وزني خمسين رطلا! ويعتبر من أقصى درجات الوقاحة رفض أي من تلك الأطباق التي تم إعدادها بعناية كبيرة لتقديمها في المآدب التي لا حد لها المقامة تكريما لي. وللأسف يعتبر السوامي البدين منظراً ساراً في الهند دون سواها من البلدان.

وبعد الغداء أخذني كيشابانندا إلى ركن منعزل وقال لي:

"إن زيارتك لي لم تكن غير متوقعة، ولدي رسالة لك."

دهشت لقوله، فأنا لم أخبر أحداً عن نيتي بزيارة كيشابانندا.

وتابع السوامي حديثه: "عندما كنت أتجول منذ عام في الهملايا الشرقية قرب بادرينارايان أضعت الطريق فالتجأت إلى كهف واسع وخالٍ، كانت تتقد على أرضه الصخرية جمرات من النار. فجلست أستدفئ وأنا أتعجب من ساكن هذه المغارة المنعزلة. وبينما كنت أتطلع إلى مدخل الكهف المضيء سمعت صوتاً يقول:

"إنني سعيد لحضورك إلى هنا يا كيشابانندا."

جاءت تلك الكلمات التي أجفلتني من خلفي فأدرت وجهي وذهلت لرؤية باباجي! فقد تجسد المعلم العظيم في تجويف داخل الكهف. وإذ غمرني سرور فائق لرؤيته مرة أخرى بعد انقضاء سنوات طويلة فقد انبطحت عند قدميه المباركتين، فقال لي: ’لقد استدعيتك إلى هنا ولهذا السبب ضللت سبيلك وجئت إلى مقري المؤقت في هذا الكهف. لقد مضى وقت طويل على آخر لقاء لنا، ويسعدني أن أحييك ثانية.‘

"وباركني المعلم الخالد بكلمات فيها عون روحي، ثم أضاف: ’أريدك أن تنقل رسالة إلى يوغانندا الذي سيزورك عند عودته إلى الهند. إن أموراً عديدة تتصل بمعلمه وبالتلاميذ الأحياء للاهيري مهاسايا ستشغل القسط الأكبر من وقت يوغانندا. اخبره عندما تقابله أنني لن أراه هذه المرة كما يتشوق، لكنني سأراه في مناسبة أخرى."

تأثرت كثيراً لسماعي وعد باباجي المعزي من كيشابانندا مباشرة، فانشرح صدري ولم أعد حزيناً لعدم ظهوره لي في الاحتفالات مثلما لمّح سري يوكتسوار.

وأمضينا الليلة ضيوفا على المنسك ثم ارتحلنا بعد ظهر اليوم التالي إلى كلكتا. وإذ اجتزنا قنطرة فوق نهر يمونا تمتعنا بأحد مناظر برندبان الخلابة عندما ألهبت الشمس السماء بنارها الذهبية المتوهجة فصارت كمستوقد إله النار (بركان) ذي الألوان البديعة التي انعكست تحتنا في المياه الهادئة.

وشاطئ يمونا باركته ذكريات الطفل شري كريشنا. فهناك كان يلعب مع أترابه مجسداً الحب السماوي الموجود أبداً بين الإله المتجسد ومريديه. وقد أخطأ الكثير من المفسرين الغربيين فهم حياة السيد كريشنا، وسبّب المجاز إرباكاً لعقولهم نظراً لتمسكهم بحرفية النص. ولتوضيح هذه النقطة نورد خطأ يبعث فعلا على الضحك وقع فيه أحد المترجمين. ويتعلق الموضوع بقديس القرون الوسطى الملهم رافيداس الإسكافي الذي كان يترنم من منطلق مهنته البسيطة المتواضعة بالمجد الروحي المستتر في قلوب الناس على هذا النحو:

"تحت الجَلـَد الأزرق الفسيح تحيا الإلوهية مكسوة بالجِلد."

ولا يتمالك الشخص نفسه من الضحك عندما يقرأ التفسير التالي لأحد الكتاب الغربيين لقول رافيداس:

"بعد ذلك ابتنى لنفسه كوخاً ووضع فيه صنما صنعه من الجلد وراح يتعبد له."

وكان رافيداس أخاً في التلمذة للقديس العظيم كبير. وكانت أميرة شيتور واحدة من التلاميذ المبجلين لرافيداس. وقامت ذات يوم بدعوة مجموعة من البراهمة إلى حفلة على شرف معلمها، فاستنكف البراهمة وأبوا تناول الطعام مع إسكافي حقير. وعندما جلسوا بصلف وتجبّر لتناول طعامهم الخاص النقي تجسّد شكل رافيداس بجانب كل واحد من أولئك البراهمة. وقد أحدثت تلك الرؤيا الجماعية انتعاشاً روحيا شاملا في شيتور.

بعد أيام قليلة وصلنا كلكتا وكنت متشوقاً لرؤية سري يوكتسوار. لكن خاب أملي عندما علمت أنه غادر سيرامبور إلى بوري التي تقع على مبعدة ثلاثمائة ميل جنوباً.

ووصلت برقية من أخ في التلمذة إلى أتول شاندرا روي شودهري أحد تلاميذ المعلم بكلكتا تقول: "احضر فوراً إلى منسك بوري."

عندما بلغني نبأ الرسالة تألمت لفحواها وجثوت على ركبتي وتوسلت إلى الله كي يستبقي على حياة معلمي. وبينما كنت على وشك مغادرة منزل والدي للسفر لأخذ القطار ناداني الصوت المقدس الداخلي:

"لا تذهب الليلة إلى بوري، إذ لا يمكن الاستجابة لطلبك."

فقلت والحسرة تعتصر قلبي: "يا رب، إن كنت لا ترغب في الاستجابة لتوسلاتي المتواصلة من أجل حياة المعلم، فليلتحق إذا بك وبواجبات أسمى بحسب مشيئتك."

لم أذهب إلى بوري في تلك الليلة امتثالاً للأمر الداخلي. وفي مساء اليوم التالي سافرت بالقطار. وفي الطريق حجبت الجو بغتة سحابة أثيرية قاتمة عند الساعة السابعة مساء.(9) وبعد ذلك حينما انطلق القطار نحو بوري تراءى لي سري يوكتسوار جالساً بوجه رزين والنور يسطع من جانبيه.

ورفعت ذراعيّ متضرعا: "هل انتهى كل شيء؟"

فأومأ المعلم بالإيجاب ثم اختفى ببطء.

وحينما وقفت على رصيف محطة بوري في الصباح التالي متمسكاً بأمل لا أمل فيه، اقترب مني شخص مجهول وقال: "هل علمت برحيل معلمك؟" ثم انصرف دون أية كلمة أخرى، ودون أن أكتشف هويته أو كيف عرف مكاني.

أصابني الذهول وترنحت بجانب الرصيف حينما تحققت أن معلمي يحاول نقل الأخبار المروعة لي بطريقة أو بأخرى. والتهب الدم في عروقي وأصبحت نفسي كالبركان الثائر. وحينما بلغت منسك بوري كنت على وشك الانهيار، لكن الصوت الداخلي كان يردد بحنان: "تمالك نفسك، واعتصم بالهدوء والسكينة."

دخلت الصومعة حيث كان المعلم متربعاً في وضع اللوتس، وقد بدا صورة حية للصحة والجمال، كأن الحياة لم تفارقه. وكانت قد انتابته قبيل رحيله حمى طفيفة، لكنه تعافى جسمه تماماً قبل صعوده إلى الأمجاد العليا. وتطلعت بلهفة إلى شكله المحبوب دون أن أصدق للحظة واحدة أنه فارق الحياة. وكانت بشرته ناعمة طرية وقد ارتسمت بسمة سلام سماوي على محياه، إذ كان قد فارق جسده بصورة واعية تلبية لنداء الداعي الأخير. فصحت في ذهول "لقد ارتحل أسد البنغال!"

وفي العاشر من شهر مارس/آذار قمت بالمراسيم الدينية وقد دُفن سري يوكتسوار بحسب طقوس السوامي القديمة(10) في حديقة منسكه في بوري. وفي الاحتفال التذكاري الذي أقيم في الاعتدال الربيعي حضر تلاميذه ومريدوه من مختلف المدن لتأدية واجب الاحترام لمعلمهم. وقد نشرت كبرى صحف كلكتا (أمريتا بازار باتريكا) صورته مع المقال التالي:

"في 21 مارس/آذار أقيمت الشعائر الجنائزية للمعلم الروحي الكبير سوامي سري يوكتسوار جيري مهراج البالغ من العمر 81 عاما، حيث جاء تلاميذه ومريدوه إلى مدينة بوري لحضور الطقوس الدينية.

"وكان سوامي مهراج من كبار مفسري البهاغافاد غيتا وتلميذا متقدماً للمعلم الكبير يوغيراج سري شايانا شاران لاهيري مهاسايا من بنارس. والسوامي مهراج (سري يوكتسوار) قام بتأسيس عدد من مراكز(يوغودا ساتسانغا: جماعة معرفة الذات)، وكان المُلهــِم الأعظم لحركة اليوغا التي نقلها إلى الغرب سوامي يوغانندا تلميذه الأكبر. وكانت قوى سري يوكتسوار النبوية ومعرفته العميقة هي التي ألهمت سوامي يوغانندا لاجتياز المحيطات من أجل نشر رسالة سادة الهند الروحيين في أمريكا.

"إن شروحاته للبهاغافاد غيتا والأسفار المقدسة الأخرى تشهد بتعمق وتفقه سري يوكتسوارجي في الفلسفتين الشرقية والغربية، وتظل دليلاً يبين وحدة الشرق والغرب. وكونه كان مؤمنا بوحدة جميع المذاهب الدينية فقد أنشأ سري يوكتسوار مهراج جمعية القديسين بالتعاون مع رؤساء الطوائف والمذاهب الأخرى بغية ترسيخ الروح العلمية في الدين. وقد رشح قبل انتقاله سوامي يوغانندا خلفا له لرئاسة سادهو سابها: جمعية القديسين.

"إن الهند هي أفقر اليوم برحيل هذا الرجل الجليل، ونأمل ممن أسعدهم الحظ في معرفته ومصاحبته أن يتشربوا الروح الحقة لثقافة الهند وينتهجوا التدريب الروحي اللذين تجسدا في الراحل العظيم."

عدت إلى كلكتا لكنني لم أمتلك الجرأة للذهاب وحدي إلى صومعة سيرامبور بكل تذكاراتها المقدسة، فاستدعيت برافولا التلميذ الصغير لسري يوكتسوار في سيرامبور، وعملت الترتيبات اللازمة لإلحاقه بمدرسة رانشي. وقد أخبرني قائلا:

"في صباح اليوم الذي سافرت فيه لحضور احتفالات الله أباد وقع المعلم بتثاقل على الأريكة وراح يردد" ’لقد ذهب يوغانندا، لقد ذهب يوغانندا.‘ ثم أضاف باقتضاب: ’لا بد لي أن أخبره بوسيلة أخرى‘، وقد بقي صامتاً بعد ذلك لعدة ساعات."

أيامي التالية كانت مفعمة بالمحاضرات والفصول والمقابلات واللقاءات مع الأصدقاء القدامى. لكن خلف ابتسامة جوفاء وحياة من النشاط المتواصل كان تيار من التفكير القاتم يفسد عليّ نهر الغبطة الداخلي الذي ظل يجري على مدى سنوات عديدة تحت كل مدركاتي.

وصرخت بسكون من أعماق نفس برّحها الألم: "إلى أين ذهب ذلك الحكيم الأقدس؟" ولكن دون جواب.

وقال لي عقلي مؤكداً: "لا بد أن المعلم قد اتحد اتحاداً كاملا مع المحبوب الكوني، وهو الآن دائم السطوع في مملكة الخلود."

وناح قلبي: "لن تراه ثانية في صومعة سيرامبور القديمة، ولن تتمكن من دعوة أصدقائك لمقابلته أو التحدث عنه بافتخار قائلا لهم: ’تعالوا وانظروا بأنفسكم حكيم الهند العظيم!‘"

وقام المستر رايت بعمل الترتيبات اللازمة لسفر مجموعتنا من بومباي إلى الغرب في أوائل شهر يونيو/حزيران. وبعد أسبوعين من شهر مايو/أيار قضيتهما في ولائم وخطب وداعيّة في كلكتا سافرت بسيارة الفورد مع الآنسة بليتش والمستر رايت إلى بومباي. ولكن لدى وصولنا طلب منا المسئولون إلغاء رحلتنا لأنهم لم يتمكنوا من توفير مكان للسيارة التي سنحتاجها ثانية في أوروبا.

وقلت باكتئاب للمستر رايت: "لا بأس، فأنا أرغب في العودة ثانية إلى بوري."

ثم أضفت قائلاً بيني وبين نفسي: "كي تبلل دموعي ضريح معلمي مرة ثانية."

حواشي الفصل Footnotes for Chapter42

(1) المعنى الحرفي للقب برمهنسا Paramahansa هو الإوزة البيضاء الأسمى. وتمثل الإوزة البيضاء swan في الأساطير الهندية مركبة براهما الخالق أو الروح العليا. والهنسا (الإوزة) المقدسة تعتبر رمزاً للتمييز الروحي إذ باستطاعتها استخلاص سلسبيل أو شراب الآلهة (أمبروزيا) من مزيج مكون من الماء واللبن الحليب. أما كلمة (أهنسا) وتلفظ (هونغ سا) فمعناها الحرفي (أنا هو الروح). وهذان المقطعان السنسكريتيان المشحونان قوة وفعالية لهما صلة اهتزازية بعمليتي الشهيق والزفير. وهكذا فإن الإنسان يؤكد مع كل تنفس، وبصورة لا شعورية، حقيقة كيانه: أنا هو.

(2) تحاشى طلبتي صعوبة لفظ (برمهنساجي) بمناداتي بالعبارة البسيطة (sir سيدي).

(3) حكم باتنجالي: Patanjali’s Yoga Sutras II:9

(4) ورد ذكر الأعياد أو الاحتفالات الدينية في المهبابهاراتا القديمة. وقد ترك الرحالة الصيني هوينغ تسانغ وصفا لاحتفال كبير أقيم في الله أباد سنة 644 ميلادية. وتقام هذه الأعياد كل ثلاث سنوات في أربع مدن هي هردوار، الله أباد، نازك، وأوجين، ومن ثم تعود إلى هردوار لإتمام دورة مؤلفة من اثني عشر عاما. وكل مدينة تعقد احتفالاً نصفياً في السنة السادسة بعد احتفالها. وهكذا فالاحتفالات الدورية والاحتفالات النصفية تعقد في مدن مختلفة كل ثلاث سنوات. ويخبرنا هوين تسانغ أن هاريشا ملك الهند الشمالية وزع كل ثروته (حصيلة الخزينة الملكية لخمس سنوات) على النساك والحجاج في احتفال الكومبها ميلا. وعندما غادر هوين تسانغ الهند عائداً إلى الصين رفض هدايا هارشا الوداعية من ذهب ومجوهرات، لكنه أخذ معه كنوزاً أثمن بكثير: 657 نصاً من النصوص الدينية.

(5) لم أكن حاضراً وقت وفاة والدتي ولا شقيقي الأكبر أنانتا، ولا شقيقتي الكبرى روما، ولا معلمي، ولا والدي أو العديد من التلاميذ المحبوبين. (انتقل والدي في كلكتا سنة 1942 في سن التاسعة والثمانين.)

(6) تشرف على مئات الألوف من السادهوز sadhus هيئة تنفيذية مؤلفة من سبعة قادة تمثل أقسام الهند السبعة الكبرى. والرئيس الحالي لهذه الهيئة هو جويندرا بوري، وهو رجل صالح في غاية التحفظ، غالباً ما ينحصر حديثه في ثلاث كلمات لا غير هي: الحق، المحبة، العمل. خير الكلام ما قل ودل!

(7) المعنى الحرفي لـ (براجناشاكشو) هو الكفيف ذو البصيرة الذي يرى بعقله.

(8) يبدو أن هناك وسائل عديدة للتغلب على النمور. وروى المكتشف الاسترالي فرنسيس برتلس أنه وجد غابات الهند (متغيرة وجميلة وآمنة). وكانت تعويذة الأمان التي استعملها عبارة عن الورق اللاصق المستعمل لصيد الذباب. وقد ذكر ما يلي: "كل ليلة كنت أضع حول خيمتي كمية من الأشرطة الورقية اللاصقة المستعملة لمسك الذباب، فلم يقلق راحتي شيء." وقد فسر ذلك بالقول: "إن السبب هو نفسيُّ محض. فالنمر حيوان ذو كبرياء كبير. فهو يصول ويجول متحدياً الإنسان إلى أن يقترب من ورق الذباب هذا ثم ينسل مبتعداً عن المكان. ولا يجرؤ نمر ذو كبرياء مواجهة إنسان يضع تحته أو حوله ورق الذباب اللزج!"

(9) انتقل سري يوكتسوار في الساعة السابعة من مساء التاسع من مارس/آذار سنة 1936.

(10) تقضي الشعائر الجنائزية في الهند بحرق أجسام أرباب العائلات (المتزوجين). أما السواميون والنساك من الطوائف الأخرى فتدفن أجسادهم أو تحرق، إلا في بعض الحالات النادرة. وتعتبر أجساد النساك – من قبيل المجاز- بأنها تطهرت في نيران الحكمة عندما يتعهدون بمراعاة النظم والقواعد النسكية.

سري يوكتسوار يُبعث حياً

تراءى لي في وهج متألق – عندما كنت أتربع في غرفتي بفندق ريجنت في بومباي – الشكل المجيد للتجسد الإلهي السيد كريشنا. فقد ظهر فجأة فوق سطح بناية عالية مقابلة للفندق. وهذه الرؤية التي تجل عن الوصف أشرقت عليّ بينما كنت أحدّق من نافذتي المفتوحة في الطابق الثالث. ولوّح لي الشكل المقدس وحيّاني بابتسامة وهزة رأس. وإذ لم أدرك بالضبط فحوى رسالة السيد كريشنا فقد ارتحل بإيماءة من البركة سمت بي بكيفية عجيبة وقد أحسست أن اختباراً روحياً على وشك الحدوث.

وكنت قد ألغيت مؤقتاً رحلتي إلى الغرب وطـُلب مني إلقاء عدة محاضرات في بومباي قبل العودة ثانية في زيارة إلى البنغال.

وإذ كنت أجلس على سريري في الساعة الثالثة من بعد ظهر التاسع عشر من يونيو/ حزيران 1936 – بعد أسبوع واحد من رؤية كريشنا – أيقظني من تأملي نور مبارك ، وقد تحولت الحجرة بأكملها إلى عالم عجيب أمام عينيّ الذاهلتين وتبدل نور الشمس إلى بهاء ذي ألق سماوي.

وغمرتني أمواج من النشوة الروحية الفائقة وكدت أطير من الفرح عندما أبصرت سري يوكتسوار أمامي بلحمه ودمه! وقد خاطبني برقة وعلى وجهه ابتسامة ملائكية أخـّاذة قائلا: "يا ابني!"

وللمرة الأولى في حياتي لم أركع عند قدميه لتحيته بل تقدمت فوراً لأضمه بشوق ولهفة إلى صدري. يا ساعة الرحمن ويا فرصة العمر! فلوعة الشهور المنصرمة بدت لا شيء مقابل الغبطة الربانية المنهمرة الآن بغزارة كالمطر المدرار!

وقلت متلعثماً من شدة الفرح: "يا سيدي الحبيب والقريب إلى قلبي، لماذا هجرتني؟ لماذا سمحت لي بالذهاب إلى الإحتفالات؟ كم عنفتُ نفسي بمرارة على مغادرتي إياك!"

فأجابني: "لم أرغب بالتدخل فيما كان يراودك من توقع سار لمشاهدة البقعة المقدسة التي قابلت فيها باباجي لأول مرة. ولم أتركك سوى لفترة قصيرة. ألست معك الآن ثانية؟"

فقلت: "ولكن هل أنت يا سيدي نفس أسد الله؟ وهل ترتدي جسماً كالجسم الذي دفنته تحت رمال بوري القاسية؟"

فأجاب: "نعم يا بني، إنني أنا ذاتي. فهذا جسم من لحم ودم مع أنني أراه جسماً أثيرياً، لكنه يبدو مادياً لبصرك. فمن الذرات الكونية صغت جسماً جديداً يماثل تماماً ذلك الجسم المادي المصنوع من الحلم الكوني، والذي وضعته تحت الرمال الحالمة في دنيا أحلامك. فأنا حقاً بُعثت لا على الأرض بل في عالم كوكبي سكانه أكثر قدرة – من سكان الأرض – على التوافق مع مبادئي السامية. ولسوف تأتي إليه يوما ما مع محبيك المبجلين كي تكونوا معي."

فقلت: "يا سيدي الخالد، اخبرني بالمزيد!"

فضحك المعلم طرباً وقال: "هل بالإمكان أن ترخي قبضتك عني قليلا؟"

قلت وقد كنت ممسكاً به كالإخطبوط: "قليلاً فقط!" وقد تمكنت من تحسس نفس الشذا الطبيعي البسيط المعطر الذي كان يميز جسمه من قبل. ولا زلت أحس باللمسة المثيرة لجسمه المقدس في الجانب الداخلي لذراعيّ وراحتيّ كلما استعدت ذكرى تلك الساعات المجيدة!

وبدأ سري يوكتسوار يشرح قائلا:

"مثلما يُرسل الأنبياء إلى العالم لمساعدة البشر على استنفاد كرماهم karmsasالمادية، هكذا بعثني الله للخدمة كمخلـّص في عالم أثيري يدعى (هيرانيالوكا: العالم الكوكبي المنير)، حيث أعمل على مساعدة كائنات متقدمة على تخليص أنفسها من كرماها الكوكبية بغية التحرر من العودة المتكررة إلى الحياة الكوكبية. وقاطنو هيرانيالوكا متقدمون جداً في الروحيات، وجميعهم حصلوا في تجسدهم الأرضي الأخير على تلك القوة التي يمنحها التأمل على ترك أجسادهم المادية بكيفية واعية عند الموت. ولا يستطيع أحد دخول عالم هيرانيالوكا ما لم يكن قد تجاوز أثناء وجوده على الأرض حالة سابيكلبا صمادهي إلى الحالة الأسمى نيربيكالبا صمادهي.(1)

"وسكان هيرانيالوكا اجتازوا فعلا العوالم الكوكبية العادية التي يتحتم على جميع البشر تقريبا الذهاب إليها عند الموت. وهناك (في العوالم الكوكبية العادية) قضوا على الكثير من بذور أفعالهم السابقة المتصلة بالعوالم الكوكبية. وهذا العمل الفدائي لا يمكن أن يقوم به بكيفية فعالة في العوالم الكوكبية(2) إلا المريدون المتقدمون روحيا. ومن أجل تحرير ذاتهم كلياً من كل الآثار والبقايا الكارمية المستقرة في أجسامهم الكوكبية فقد جُذب هؤلاء التوّاقون بواسطة القانون الكوني للتجسد في أجسام كوكبية جديدة على هيرانيالوكا: الشمس أو السماء الكوكبية، حيث أنا موجود لمعونتها. وهناك أيضاً كائنات على هيرانيالوكا قاربت درجة الكمال أتت من عالم السببية الأسمى والأكثر شفافية."

لقد كان عقلي إذ ذاك في توافق كلي مع عقل معلمي بحيث كان ينقل إليّ صوره الكلامية جزئياً عن طريق الكلام وجزئيا عن طريق نقل الأفكار، وهكذا استطعت استقبال واستيعاب أفكاره المركزة بسرعة.

واستطرد معلمي قائلا: "لقد قرأتَ في الأسفار المقدسة أن الله غلـّف النفس البشرية بثلاثة أجسام هي على التوالي: الجسم العقلي أو السببي، فالجسم الكوكبي الشفاف مركز الطبيعتين العقلية والعاطفية، ثم الجسم المادي الخشن. فعلى الأرض يُجهّز الإنسان بحواسه المادية، أما الكائن الكوكبي (أو الأثيري) فيعمل بوعيه وإحساساته وبجسم مكون من جوهر الحياة (3)‘ في حين يظل الكائن السببي في منطقة الأفكار السعيدة. وعملي هو مع تلك الكائنات الكوكبية التي تستعد لدخول عالم السبب."

وقلت: "بالله يا معلمي الحبيب، زدني معرفة بالكون الكوكبي!"

وكنت قد أرخيت قبضتي قليلا بناء على طلب سري يوكتسوار، لكن ذراعيّ كانا لا يزالان ملتفين حوله، فمعلمي الذي هو كنز الكنوز سخر من الموت لكي يأتي إليّ! فقال موضحاً:

"هناك الكثير من الكواكب التي تغص بالكائنات الكوكبية ويستخدم قاطنوها طائرات كوكبية أو كتلا من النور للانتقال من كوكب إلى آخر بسرعات تفوق سرعة الكهرباء أو النشاط الإشعاعي.

"الكون الكوكبي مكوّن من اهتزازات متنوعة شفافة من الضوء واللون، وهو أكبر من الكون المادي بمئات المرات. والخليقة المادية بأسرها تتدلى كسلة صلبة صغيرة من أسفل البالون الهائل اللامع للعالم الكوكبي. وكما أن شموسا ونجوما مادية كثيرة تجوب في الفضاء، هكذا هناك مجموعات شمسية ونجمية أثيرية لا حصر لها. ولكواكبها نجوم وأقمار أثيرية تفوق نظيراتها المادية روعة وجمالا. أما النيّرات الكوكبية فتشبه أنوارها أنوار شفق القطب الشمالي. وهذا الشفق الكوكبي المشمس أشد لمعاناً من الشفق القمري ذي الأشعة اللطيفة. والنهار والليل الكوكبيان أطول من مثيليهما على الأرض.

"والعالم الكوكبي هو غاية في الجمال والنظافة والترتيب، إذ لا توجد نباتات ميتة ولا أرض قاحلة. أما العيوب والشوائب الأرضية من بكتريا وحشرات وثعابين فهي منعدمة هناك. وعلى نقيض الأجواء والفصول الأرضية المتغيرة، فإن المستويات الكوكبية تحتفظ بدرجة حرارة متساوية لربيع دائم مع ثلج أبيض لامع يتساقط أحياناً، وأمطار ذات أضواء متعددة الألوان. كما تزخر العوالم الكوكبية ببحيرات الأوبال التي تتغير ألوانها تغيراً بديعاً وبحار لامعة وأنهار ملونة بألوان قوس قزح.

"الكون الكوكبي العادي – وليس السماء الكوكبية الشفافة هيرانيالوكا – مأهول بملايين الكائنات الكوكبية التي وفدت إليه حديثاً نوعاً ما من الأرض، وبعدد لا يحصى من الجنيات وحوريات البحر والأسماك والحيوانات وعفاريت الرصد وأنصاف الآلهة والأرواح. وجميع هذه الكائنات تقطن في مستويات كوكبية مختلفة بحسب مؤهلاتها الكارمية. وهناك منازل كروية أو مناطق اهتزازية مختلفة معدة للأرواح الطيبة أو الشريرة. الأرواح الطيبة باستطاعتها التنقل بحرية في حين قـُيدت الأرواح الشريرة في مناطق محددة لا يمكنها تخطيها. وبنفس الكيفية التي يعيش فيها البشر فوق الأرض والديدان في باطنها والسمك في الماء والطير في الهواء، هكذا خصصت للكائنات الكوكبية ذات الدرجات المتفاوتة، مناطق مهتزة تلائم كل منها.

"ومن بين ملائكة الشر الهابطين الذين لفظتهم عوالم أخرى، تحدث الإحتكاكات والحروب بقذائف من كهارب الحياة أو الأشعة العقلية المهتزة(4). وتلك الكائنات تقطن الأقطار المظلمة للكون الكوكبي التحتاني، من أجل استهلاك كرماها الكثيفة والتكفير عن أعمالها الشريرة.

"كل شيء مشرق وجميل في الأقطار الشاسعة المترامية فوق السجن الكوكبي المظلم. والكون الكوكبي هو بطبيعته أكثر توافقاً من الأرض مع الإرادة الإلهية ومع خطة الكمال. وكل شيء كوكبي يحدث بإرادة الله بصورة رئيسية كما يحدث أيضاً بصورة جزئية بالنداء الإرادي للكائنات الأثيرية التي تملك القوة لتعديل أو تحسين ما صوّره الله من أشكال. وقد منح الله أبناءه الكوكبيين الحرية والإمتياز لتغيير أو إدخال التحسين بإرادتهم على الكون الكوكبي. وبينما تـُستخدم على الأرض طرق طبيعية أو كيماوية لتحويل الصلب إلى سائل أو إلى شكل آخر، فإن الجوامد الكوكبية تتحول على الفور إلى سوائل أو غازات أو قوى كوكبية بمجرد إرادة السكان فقط.

واستطرد معلمي قائلا: "إن الأرض مظلمة بالحروب والتقتيل في البحر والأرض والجو، أما الأقطار الكوكبية فتنعم بالإنسجام والمساواة السعيدين. والكائنات الكوكبية تنزع أجسادها عنها وتلبسها بمطلق إرادتها. ويمكن للزهور أو الأسماك أو الحيوانات أن تتخذ لوقت ما شكل أناس كوكبيين. كما تمتلك سائر الكائنات الكوكبية الحرية التامة لاتخاذ ما يروق لها من أشكال. وباستطاعتها التحدث بسهولة مع بعضها البعض دون أن يحدها أو يقيدها قانون طبيعي ثابت. وأية شجرة كوكبية على سبيل المثال يمكن أن تأتي بثمر المانغو الكوكبي أو أي ثمر أو زهور أو أي شيء آخر إن طـُلب منها ذلك. هناك عوائق كارمية محددة، غير أنه لا وجود للفوارق في العالم الكوكبي فيما يتعلق بتحبيذ الأشكال المتباينة، إذ أن كل شيء يتماوج بنور الله الخلاق.

"ولا يولد أحد من امرأة، بل تحدث الولادات في العالم الكوكبي بالإرادة الكونية للكائنات الكوكبية، حيث يتم تجسيد الأشكال الكوكبية بحسب تصاميم خاصة. والإنسان الحديث العهد بإطراح جسمه المادي يُستقبل في أسرة كوكبية بناء على دعوتها له، منجذباً إليها بميول عقلية وروحية مشتركة.

"ولا يخضع الجسم الأثيري للبرودة أو الحرارة أو لظروف طبيعية أخرى، أو يتأثر بها. ويشتمل الجسم من الناحية التشريحية على دماغ أثيري أو لوتس النور ذات الألف ورقة، وعلى ستة مراكز يقِظة في المحور الدماغي الفقري الكوكبي. ويسحب القلب نشاطاً كونياً ونوراً من الدماغ الكوكبي يدفعه بدوره إلى الأعصاب الكوكبية والخلايا الجسدية أو كهارب الحياة. وللكائنات الكوكبية القدرة على التأثير وإحداث التغيير بأجسامها عن طريق القوة الحيوية أو بالإنشاد الإهتزازي المقدس المركز (المانترا).

"وفي معظم الحالات يكون الجسم الكوكبي صورة طبق الأصل عن الشكل المادي الأخير للإنسان. فوجه وشكل الكائن الكوكبي يكونان مشابهين من حيث السمات لوجه وشكل الشخص إبان الشباب في الحياة الأرضية السابقة. وأحياناً يختار أحدهم مثلي الإحتفاظ بمظهر شيخوخته." وهنا قهقه بمرح المعلم الذي كان يشع نشاطاً وحيوية، ثم واصل حديثه:

"وعلى نقيض العالم المادي الثلاثي الأبعاد الذي لا يدرك إلا بالحواس الخمس، فإن الأفلاك الكوكبية يمكن إدراكها بالحاسة السادسة الكلية المعرفة. فالكائنات الكوكبية يمكنها أن تسمع وتشم وتتذوق وتلمس بواسطة حس البصيرة الداخلي. ولتلك الكائنات ثلاث عيون: اثنتان مغمضتان جزئيا، أما الثالثة فهي العين الكوكبية الرئيسية وهي موجودة بشكل عمودي في الجبهة. والكائنات الكوكبية تمتلك سائر أعضاء الحس الخارجية من أذنين وعينين وأنف ولسان وجلد؛ لكنها تستخدم حس البصيرة لاختبار الإحساسات عن طريق أي قسم من الجسم. فهي تستطيع الرؤية بواسطة الأذن أو الأنف أو الجلد، مثلما تستطيع السمع بالأعين أو اللسان، والتذوق بالأذان أو الجلد، وهلم جرّا.(5)

"وبالرغم من أن الجسم المادي للإنسان عرضة لأخطار عديدة ومن السهل جرحه أو تشويهه، فالجسم الأثيري الكوكبي قد يُجرَح أو يُرَض أحياناً، لكنه يشفى بالإرادة على الفور."

وهنا سألت معلمي: "يا سيدي الملائكي، هل يتمتع كل الأشخاص الكوكبيين بالحسن والجمال؟"

فأجابني سر ي يوكتسوار: "الجمال في العالم الكوكبي هو خاصية روحية وليس مظهراً خارجيا. ولا تعلق الكائنات الكوكبية أهمية كبيرة على تقاطيع الوجه. ومع ذلك فقد مُنحت القدرة لكي ترتدي – بإرادتها – أجساماً جديدة مشرقة. ومثلما يلبس أهل الدنيا ثياباً جديدة في الأعياد هكذا تجد الكائنات الكوكبية مناسبات كي تتجمل بأزياء صممت خصيصاً لتلك المناسبات.

" وتعقد احتفالات كوكبية بهيجة في العوالم الكوكبية مثل هيرانيالوكا عندما يتحرر كائن من العالم الكوكبي بفعل تقدمه الروحي ويصبح مؤهلا لدخول الفردوس السببي. وفي تلك المناسبات يتخذ الآب السماوي غير المنظور مع قديسيه المتحدين به أجساماً ينتقونها لذاتهم وينضمون إلى الإحتفال الكوكبي. ولكي يُدخل السرور إلى نفس متعبده المحبوب يتخذ الله الشكل الذي يرغبه. فإذا كان المتعبد من تابعي طريق الحب الإلهي يرى الأم المقدسة. بالنسبة للسيد المسيح فإن المظهر الأبوي للواحد اللانهائي كان يفوق من حيث الروعة كل المظاهر والمفاهيم الأخرى. فالفردية التي منحها الخالق لكل واحد من مخلوقاته تجعل بالإمكان الحصول من الله على أي شكل من الأشكال، سواء تلك التي يمكن تصورها أو التي لا يمكن تخيلها إطلاقاً.

وضحكت بفرح مع معلمي الذي استطرد بصوته العذب الشبيه بأنغام الناي:

"وأصدقاء الحيوات السابقة يتعرفون على بعضهم بسهولة في العالم الكوكبي. وإذ يبتهجون بخلود الصداقة فإنهم يدركون ديمومة الحب وعدم فنائه، وهو أمر يبعث على الشك أحياناً إبان الفراق الوهمي المؤلم للحياة الأرضية.

"وبصيرة الكائنات الكوكبية تخترق الحجب وترى نشاط البشر على الأرض. لكن الإنسان لا يمكنه رؤية العالم الكوكبي ما لم تكن حاسته السادسة قد نمت ولو قليلا. ويوجد الآلاف من سكان الأرض ممن شاهدوا للحظات كائناً كوكبيا أو عالماً كوكبياً.(6)

"والكائنات المتقدمة في عالم هيرانيالوكا غالباً ما تظل مستيقظة في نشوة روحية أثناء النهار والليل الكوكبيين الطويلين، وتساعد على حل المسائل الدقيقة للحكومة الكونية وعلى افتداء الأبناء الضالين والأرواح المكبلة بقيود وأغلال الأرض. وحينما تخلد تلك الكائنات إلى الراحة تبصر رؤى كوكبية شبيهة بالأحلام، وأحياناً تستغرق عقولها استغراقاً واعياً في أسمى غبطة: غبطة النيربيكلبا.

"وسكان جميع العوالم الكوكبية ما زالوا عرضة للآلام الفكرية. وتشعر العقول الحساسة للكائنات الرفيعة في العوالم العليا مثل هيرانيالوكا بألم شديد إن هي ارتكبت أي خطأ من ناحية السلوك أو من ناحية إدراك الحق. فهذه الكائنات المتقدمة تحاول دوماً توفيق كل أعمالها وأفكارها مع كمال القانون الروحي.

"ويتم التواصل بين السكان الكوكبيين عن طريق التراسل الأثيري والتلفزيوني دون الحاجة إلى كتابة أو كلام وما يلازمهما من الالتباس وسوء الفهم اللذين يعاني منهما سكان الأرض. وكما يظهر الأشخاص على شاشة السينما متحركين في سلسلة من الصور الضوئية دون أن تتنفس، هكذا تنتقل الكائنات الكوكبية وتعمل كأشكال نورانية بتوجيه وتنسيق من العقل الكوني دون الحاجة إلى اجتذاب القوة من الأكسجين. وفي حين يعتمد الإنسان في غذائه على الأطعمة الصلبة والسائلة والغازية وعلى النشاط، تقتات الكائنات الكوكبية بصورة رئيسية بالضوء الكوني."

كنتُ كليّ آذاناً صاغية أتشرب شروح المعلم العجيبة بقوة التقبل والاستيعاب التي في العقل والقلب والنفس جميعا. فالمدركات السامية للحق هي ثابتة ولا تتغير أبدا، في حين أن اختبارات الحواس والانطباعات العابرة هي مجرد اختبارات وقتية ذات حقيقة نسبية وتفقد وضوحها وجلاءها في الذاكرة بعد فترة زمنية قصيرة. لقد كانت كلمات معلمي تنقش بصورة لا تمحى على صفحة كياني بحيث كان باستطاعتي- في أي وقت أقوم فيه بتحويل عقلي إلى حالة الإدراك السامي- أن أعيش من جديد ذلك الإختبار المقدس.

وسألت معلمي قائلا: "سيدي الحبيب، هل تأكل الكائنات الكوكبية أي شيء؟"

فأجابني: "تكثر في التربة الكوكبية الخضر المضيئة الشبيهة بالأشعة. وتقتات الكائنات الكوكبية بالخضروات، وتشرب رحيقاً يتدفق من ينابيع ضوئية رائعة ومن جداول وأنهار كوكبية. وكما أن أشكال الأشخاص غير المنظورة على الأرض يمكن نبشها من الأثير ورؤيتها بواسطة جهاز التلفزيون حيث تـُطلق في الفضاء ثانية، هكذا فإن النماذج الكوكبية المخلوقة وغير المنظورة للخضر والنباتات السابحة في الأثير تترسب على الأجرام الكوكبية بإرادة ساكنيها. وبنفس الكيفية تتجسد حدائق وبساتين كاملة من خيال هذه الكائنات ثم تتوارى لاحقاً في طيات الأثير. ومع أن سكان العوالم السماوية مثل هيرانيالوكا قد تحرروا تقريباً من الحاجة إلى الطعام، فأسمى من ذلك هو الوجود غير المقيد للنفوس المتحررة كلياً تقريباً في عالم السبب والتي لا تأكل شيئا سوى جوهر الغبطة.

"والكائن الكوكبي المتحرر من قيود الأرض يلتقي بعدد كبير من الأقارب والآباء والأمهات والزوجات والأزواج والخلان الذين اصطفاهم إبان التجسدات المختلفة على الأرض،(7) عندما يظهرون من وقت لآخر في أركان مختلفة من الأقطار الكوكبية، فيحتار في من يختصه بمحبته. وهكذا يتعلم كيف يمنح حباً مقدساً ومتساوياً للكل كأبناء وصور مميزة لله. ومع أن الشكل الخارجي للأحبة قد يختلف قليلاً بفعل نمو اكتساب صفات جديدة في آخر حياة لكل نفس، غير أن الكائن الكوكبي يستخدم بصيرته التي لا تخطئ للتعرف على من كانوا أعزاء لديه في مستويات أخرى من الوجود، وللترحيب بهم في موطنهم الكوكبي الجديد. ونظراً لأن كل ذرة من ذرات الخليقة موهوبة بفردية(8) غير خاضعة للفناء، فإن الصديق الكوكبي ستـُعرف هويته مهما كان الزي الذي يرتديه، بنفس الكيفية التي تنكشف فيها شخصية الممثل على الأرض مهما حاول التخفي. وفسحة العيش في العالم الكوكبي هي أطول بكثير من مثيلتها على الأرض. فمتوسط العمر للكائن المتقدم يتراوح ما بين خمسمائة وألف عام بحساب السنين الأرضية. وكما أن بعض أنواع شجر الخشب الأحمر يفوق عمراً الأنواع الأخرى بآلاف السنين، أو كما أن بعض اليوغيين يعيشون لمئات الأعوام في حين يموت معظم الناس قبل بلوغ الستين، هكذا تعيش بعض الكائنات الكوكبية عمراً أطول من الفترة العادية للوجود الكوكبي. وتتحدد فترة بقاء الوافدين إلى العالم الكوكبي على ضوء ثقل كرماهم المادية التي تجذبهم للعودة إلى الأرض في وقت محدد.

"والكائن الكوكبي لا يحس بغصة الموت عند طرحه الجسم النوراني. ومع ذلك فإن كثيراً من هذه الكائنات تشعر ببعض الاضطراب لمجرد التفكير في اطـّراح أجسامها الكوكبية وارتداء الأشكال السببية الشفافة. والثالوث المرعب الذي هو لعنة الأرض: الموت القسري والمرض والشيخوخة، لا وجود له في العالم الكوكبي. لقد سمح الإنسان لوعيه، على الأرض، في الارتباط – كلياً تقريباً – مع جسم مادي واهن وقصم، يحتاج من أجل ديمومة بقائه إلى مدد متواصل من الهواء والطعام والنوم.

"وفي حين يصاحب الموت الفيزيقي انعدام التنفس وتحلل خلايا الجسد، فإن الموت الكوكبي يحدث بتبدد ذرات الحياة التي هي عبارة عن وحدات من الطاقة التي تكوّن حياة الكائنات الكوكبية. وعند الموت الفيزيقي يفقد الإنسان وعيه بالجسد ويصبح مدركاً لجسمه الشفاف في العالم الكوكبي. وعندما يمر باختبار الموت الكوكبي في حينه ينتقل من وعي الولادة والموت الكوكبيين إلى وعي الولادة والموت الفيزيقيين. وهذه الدورات المتعاقبة للأغلفة الكوكبية والفيزيقية هي المصير المحتوم لكل الكائنات غير المستنيرة. وأحياناً فإن التفسيرات الواردة في الكتب المقدسة عن الفردوس والجحيم تحرك في الإنسان ذكريات أكثر عمقاً من التذكارات اللاشعورية لسلسة الاختبارات الطويلة في العوالم الأثيرية السعيدة والأرض المخيبة للآمال."

وهنا سألت معملي: "يا سيدي المحبوب، هل لك أن تصف لي بتفصيل أوفى الفرق بين الولادة على الأرض والولادة في العالمين الكوكبي والسببي؟"

فأوضح المعلم قائلا: "الإنسان كنفس فردية هو بالضرورة ذو جسم سببي. وذلك الجسم هو عبارة عن قالب يحوي خمس وثلاثين فكرة استخدمها الله كقوى أساسية أو أفكار سببية وكوّن منها فيما بعد الجسم الكوكبي الشفاف ذا التسعة عشر عنصرا والجسم الفيزيقي الخشن ذا الستة عشر عنصرا.

"وعناصر الجسم الكوكبي التسعة عشر هي أمور فكرية وعاطفية وحيوية. والمركـّبات التسعة عشر هي الذكاء والذات (الأنا) والشعور والعقل (الوعي الحسي) وخمس أدوات للمعرفة هي الأقسام المقابلة لحواس النظر والسمع والشم والذوق واللمس، وخمس أدوات للفعل هي نظيراتها الفكرية للقوى التنفيذية المتعلقة بالتناسل والإفراز والنطق والمشي والمهارة اليدوية. وخمس أدوات لقوة الحياة مُنحت القدرة على القيام بوظائف الجسم الخاصة بالتبلور والامتصاص (تمثيل الطعام بعد هضمه) والتخلص من الفضلات والاستقلاب أو الأيض (تحويل الغذاء في الجسم إلى مادة حية أو استخدامه لتزويد الطاقة) والدورة الدموية. وهذا الغلاف الكوكبي الشفاف ذو التسعة عشر عنصرا يبقى بعد فناء الجسم الفيزيقي ذي الستة عشر عنصرا من العناصر الخشنة.

"لقد فكر الله أفكاراً مختلفة في ذاته ثم أبرزها بصورة أحلام فظهرت بصورة سيدة الحلم الكوني المزدانة بكل حُلى وحُلل النسبية الرائعة المدهشة التي لا تقع تحت حصر.

"وبخمس وثلاثين فصيلة فكرية للجسم السببي أحكم الله صنع سائر التعقيدات الخاصة بالنظيرات التسعة عشرة الخاصة بالجسم الكوكبي، والستة عشرة الخاصة بالجسم المادي. وبتكثيفه أولا للقوى الاهتزازية الشفافة والخشنة فيما بعد أبدع الله جسم الإنسان الكوكبي ثم شكله المادية في المرحلة الختامية. وطبقاً لقانون النسبية الذي بواسطته تصبح البساطة الأساسية تنوعاً مدهشاً فإن عالم السبب والجسم السببي يختلفان عن عالم الأثير والجسم الأثيري. والعالم المادي والجسم الفيزيقي كذلك يختلفان عن أشكال الخليقة الأخرى.

"الجسم الفيزيقي مصنوع من أحلام الخالق الثابتة والمحسوسة. الثنائيات كالمرض والصحة والألم واللذة والخسارة والربح هي موجودة بصورة دائمة على الأرض. والبشر يواجَهون بعوائق ومقاومة من المادة الثلاثية الأبعاد. وحينما تهتز رغبة الإنسان في الحياة وتتزعزع، سواء بفعل المرض أو لأسباب أخرى، يحدث الموت ويتم التخلي وقتياً عن المعطف الجسدي الثقيل. ومع ذلك تبقى النفس مغلفة بالجسمين الكوكبي والسببي(9). والرغبة أو الشهوة هي القوة اللاصقة التي تمسك بالأجسام الثلاثة معا. وقوة الرغبات التي لم يتم تحقيقها هي أصل عبودية الإنسان وقيوده.

"وتكمن الرغبات المادية في حب الذات واللذات الحسية. والإغراء الحسي أو الدافع النفسي الذي لا يُقاوم هو أقوى وأشد شكيمة من الرغبة المرتبطة بالتعلقات الأثيرية والمدركات السببية.

"وتنحصر الرغبات الأثيرية في المتع على صورة اهتزازات، كما تستمتع الكائنات الكوكبية بموسيقى الأفلاك الأثيرية وتغتبط برؤية سائر الخليقة كتعبيرات عديمة الفناء للنور المتغير. كما تشم الكائنات الكوكبية الضوء وتلمسه وتتذوقه. ولذلك فإن الرغبات الكوكبية أو الأثيرية تتوقف على قوة الكائن الكوكبي على تجسيد كل الأشياء والاختبارات كأشكال للضوء أو كأحلام وأفكار مكثفة.

"والرغبات السببية تتحقق فقط عن طريق الإدراك. والكائنات التي أصبحت على وشك التحرر والمغلفة بجسم سببي لا غير ترى الكون بأسره كمدركات لأفكار الله الحلمية. وباستطاعتها تحقيق أي شيء وكل شيء أو تحويله إلى مادة بمحض الفكر. ولذلك فإن الكائنات السببية تنظر إلى المتع الحسية المادية أو المسرات الكوكبية على أنها مباهج خشنة وخانقة لإحساسات النفس الرقيقة الراقية. وتستهلك الكائنات السببية رغباتها بتحقيقها الفوري.(10) والمغلفون بالحجاب الشفاف للجسم السببي يستطيعون الإتيان بعوالم إلى الوجود تماماً كما يفعل الخالق. ولأن سائر الخليقة مصنوعة من نسيج الحلم الكوني فإن النفس ذات الرداء السببي الرقيق تمتلك معارف واسعة وقدرات هائلة.

"النفس هي غير منظورة بطبيعتها، ولذلك لا يمكن تمييزها إلا بواسطة جسمها أو أجسامها. ومجرد وجود جسم من أجسامها معناه أن وجود ذلك الجسم هو موجود بفعل رغبات لم يتم تحقيقها.(11)

"وطالما بقيت نفس الإنسان محصورة في وعاء جسدي واحد أو في وعاءين اثنين أو ثلاثة، ومسدوداً عليها بإحكام بسدادات الجهل والشهوات، فمن العسير على ذلك الإنسان أن يندمج ويمتزج في محيط الروح الإلهي. وعندما تكسر مطرقة الموت الوعاء الفيزيقي (المادي) الكثيف يظل الوعاءان الآخران – الكوكبي والسببي – قائمين ويحولان دون الامتزاج الواعي للنفس بالحياة الكونية والكلية. وعندما يبلغ الشخص – بالحكمة – حالة عدم الاشتهاء فإن قوة التحرر من الشهوات تحطم الوعاءين الآخرين وتبزغ عندئذ الروح الإنسانية الصغيرة حرة في النهاية وتتحد من البحر الكوني الذي لا حد لاتساعه."

وطلبت من معلمي الأقدس كي يلقي مزيداً من الضوء على عالم السبب الأسمى والأكثر غموضاً، فأجابني:

"العالم السببي غاية في الشفافية بحيث يتعذر وصفه. ولكي يتمكن الإنسان من فهمه يجب أن يمتلك قوى هائلة من التركيز العقلي بحيث يمكنه أن يغمض عينيه ويرى ببصيرته العالمين الكوكبي والمادي بكامل اتساعهما: وهما البالون المضيء مع السلة الصلبة، كفكرتين فقط. فإن تمكن بفعل هذا التركيز الذي يفوق قدرات البشر من تحويل أو تحليل هذين الكونين بجميع تعقيداتهما إلى أفكار بحتة سيصل عندئذ إلى عالم السبب ويقف على الحد الفاصل لامتزاج العقل بالمادة، ويرى كافة الأشياء المخلوقة، من جوامد وسوائل وغازات وكهرباء ونشاط، وسائر الكائنات من آلهة وبشر وحيوانات ونباتات وبكتريا، كصور وأشكال من الوعي، تماما مثلما يغمض المرء عينيه ومع ذلك يدرك أنه يحيا، مع أن جسمه يكون غير منظور لعينيه الفيزيقيتين، وأنه يعيش كفكرة فقط.

"وكل ما يقوم به الكائن البشري بالصور الذهنية أو الخيال يحققه الكائن السببي في عالم الواقع. إن أنشط وأوسع عقل بشري تخيلا يمكنه الانتقال – بالفكر فقط – ما بين أقصى حدود الفكر، أو القفز بعقله من كوكب إلى كوكب آخر، أو الاندفاع في هوة سحيقة لا قعر لها ولا قرار، أو التحليق كالصاروخ في القبة السماوية ذات المجرات، أو التراقص كالضوء الكشاف فوق الدرب اللبنية (درب التبانة) والفضاء النجمي. لكن الكائنات في العالم السببي تملك حرية تفوق ذلك بكثير، ويمكنها دون مجهود تجسيد أفكارها على الفور ودون أية عوائق مادية أو كوكبية أو موانع كارمية.

"والكائنات السببية تدرك أن الكون المادي لا يتركب أصلا من إلكترونات، ولا الكون الكوكبي يتألف أساساً من ذرات الحياة، بل كلاهما مصنوع من أدق ذرات الفكر الإلهي التي تم تقطيعها وتجزيئها بفعل الوهم الكوني (مايا): قانون النسبية الذي يتخلل على ما يبدو ليفصل الخليقة عن خالقها.

"النفوس في العالم السببي تعرف بعضها البعض كنقط فردية من الروح المغبوط، ولا يحيط بها سوى أمورها الفكرية فقط. والكائنات السببية ترى أن الفرق بين أجسامها وأفكارها هو مجرد أفكار لا غير. ومثلما يغمض الإنسان عينيه ويتخيل نورا أبيض أخاذا، أو سديما أزرق خفيفا، هكذا الكائنات السببية تستطيع أن ترى وتسمع وتحس وتذوق وتلمس بالفكر فقط. فهي تخلق كل شيء وتذيبه بقوة العقل الكوني.

"الموت والولادة ثانية يحدثان بالفكر في العالم السببي. وتستمتع الكائنات ذات الأجسام السببية استمتاعا بالغاً بالسلسبيل السماوي الذي في منتهى اللذة للمعرفة المتجددة طوال الأبدية. وتشرب من ينابيع السلام وتتجول في رحاب الإدراك التي لم تطأها قدم، وتسبح في بحر الغبطة اللامتناهي. ويا لروعة منظر أجسامها الفكرية وهي تصعد مارة بمليارات العوالم المخلوقة روحيا، وبفقاعات كونية جديدة وبنجوم الحكمة وبأحلام السدم الذهبية ذات الأطياف البهيجة، على صدر السماوات العليا اللامتناهي.

"هناك الكثير من الكائنات التي تبقى في العالم السببي لآلاف السنين. وبنشوات أعمق تسحب النفس المتحررة ذاتها من الجسم السببي الصغير وتلبس اتساع الكون السببي. وفي بحر الغبطة الدائم الأفراح تذوب كل دوامات الأفكار المنفصلة والأمواج المستقلة للقوة والحب والإرادة والفرح والسلام والبصيرة والهدوء وضبط النفس والتركيز العقلي. ولا تعود الروح بعد ذلك تحس فرحها كموجة مفردة من أمواج الوعي، بل تتحد مع المحيط الكوني الواحد بجميع أمواجه وضحكاته الأبدية وهزات طربه وخفقات ابتهاجه.

"وحينما تخرج النفس من شرنقة الأجسام الثلاثة تفلت إلى الأبد من قانون النسبية وتصبح الكائن السرمدي الذي لا يمكن التعبير عنه بالكلام.(12) ويا لروعة فراشة الوجود الكلي وقد طـُبع جناحاها بالنجوم والأقمار والشموس! فالنفس التي تتمدد إلى الروح الإلهي تبقى لوحدها في منطقة النور غير المضيء والعتمة غير المظلمة، والعقل عديم الأفكار، منتشية بابتهاجها الكلي الغامر بالخليقة الكونية كأحلام لله."

وهنا صحت مندهشاً "أي تصبح نفساً حرة!"

وواصل المعلم حديثه:

"حينما تنجو النفس نهائيا من الأوعية الثلاثة للخداع الجسمي تصبح واحداً مع المطلق اللانهائي دون أن تفقد شعورها بذاتها. وقد فاز السيد المسيح بهذه الحرية التامة حتى قبل أن يولد كيسوع. ففي ثلاثة أدوار من ماضيه رُمز إليها في حياته الأرضية بالأيام الثلاثة لتجربة الموت والقيامة، امتلك القوة للصعود التام إلى الروح الإلهي.

"الإنسان غير المتطور ينبغي له أن يمر في تجسدات أرضية وكوكبية وسببية لا حصر لها حتى يخرج نهائيا من أجسامه الثلاثة. والمعلم الذي بلغ التحرر الكامل له مطلق الخيار لأن يعود إلى الأرض كرسول روحي كي يأتي بالبشر الآخرين إلى الله. أو قد يختار – كما فعلت أنا – البقاء في العالم الكوكبي حيث يتحمل المخلـّص هناك قسماً من كارما المقيمين في ذلك العالم،(13) مما يساعدهم على الإفلات من دورة تجسدهم في العالم الكوكبي والدخول إلى العالم السببي بصورة دائمة. أو قد تختار النفس المتحررة الدخول إلى العالم السببي لمساعدة ساكنيها على اختزال مدة إقامتهم في الجسم السببي، فتحصل بذلك على الحرية المطلقة."

وهنا قلت: "يا سيدي يا من بُعثت حياً، أريد أن أعرف المزيد عن الكارما التي ترغم النفوس غير المستنيرة على العودة إلى العوالم الثلاثة."

لقد كان بمقدوري الإصغاء إلى الأبد لمعلمي العليم بكل شيء، إذ لم يحدث مطلقاً في حياته الأرضية أن تمكنت من هضم مثل هذا القدر الكبير من الحكمة. والآن وللمرة الأولى كنت أحصل على معرفة يقينية واضحة ومحددة عن الفضاء الغامض الذي يتخلل الحياة والموت وكل ما بهما من أحداث ومتغيرات.

فراح معلمي يشرح بصوته المطرب قائلا:

" الكارما الدنيوية أو شهوات الإنسان ينبغي أن تـُستهلك بصورة كاملة قبل أن تصبح إقامته الدائمة ممكنة في العوالم الكوكبية. وهناك صنفان من الكائنات التي تعيش في العوالم الكوكبية: تلك التي ما زال لها كارما أرضية تعمل على الفكاك منها، والتي ينبغي لها أن ترتدي – بسببها – مرة أخرى أجساما فيزيقية خشنة للوفاء بديونها الكارمية. وتلك الكائنات يمكن اعتبارها بعد الموت الفيزيقي زائرات وقتيات إلى العالم الكوكبي لا مقيمات دائمات.

"والكائنات ذات الكارما الأرضية غير المفتداة لا يُسمح لها بعد الموت الكوكبي بالإنطلاق إلى عالم السبب الأعلى للأفكار الكونية، بل تبقى متأرجحة جيئة وذهاباً بين العالمين المادي والكوكبي دون غيرهما من العوالم. وهي تحس – على التعاقب – بجسميها المادي ذي العناصر الستة عشر الخشنة، والكوكبي ذي التسعة عشر عنصراً شفافاً. ومع ذلك ففي كل إطراح للجسم المادي يبقى الكائن الأرضي غير المتقدم روحيا في غيبوبة الموت العميقة، دون إحساس بالعالم الكوكبي الجميل. وبعد الراحة الكوكبية يعود مثل هذا الإنسان إلى المستوى المادي ليتلقى دروساً أخرى، مدرباً نفسه تدريجياً – عن طريق الرحلات المتكررة – وتعويد ذاته على العوالم ذات النسيج الكوكبي الشفاف.

"ومن ناحية أخرى، فالمقيمون العاديون الذين مكثوا لفترات طويلة في العالم الكوكبي هم الذين تحرروا للأبد من الرغبات المادية، ولا حاجة لهم للعودة ثانية إلى اهتزازات الأرض الخشنة. ومثل هؤلاء ليس لهم سوى كارما كوكبية وسببية يعملون على التخلص منها. وعند الموت الكوكبي تنطلق تلك الكائنات إلى العالم السببي ذي الشفافية واللطافة الفائقتين. وعند انتهاء فترة معينة يحددها القانون الكوني تعود تلك الكائنات المتقدمة إلى عالم هيرانيالوكا أو إلى عالم كوكبي رفيع مشابه له، عن طريق الولادة ثانية في جسم كوكبي جديد لاستنفاد كارماها الكوكبية غير المفتداة.

"وبهذا الإيضاح يمكنك أن تفهم بجلاء يا بني أنني بـُعثت، طبقاً لأمر إلهي، كمخلـّص للنفوس الكوكبية المتجسدة والعائدة تحديداً من عالم السبب، لا للنفوس الكوكبية الوافدة من الأرض. فالقادمون من الأرض إذا ظلوا محتفظين بآثار ولو قليلة من الكارما المادية لا يصعدون إلى العوالم الكوكبية الرفيعة جداً مثل هيرانيالوكا.

"وكما أن الغالبية العظمى من سكان الأرض لم يقدّروا بالرؤيا المكتسبة بالتأمل المباهجَ والفوائد الفائقة للحياة الكوكبية، ولذلك يرغبون بعد الموت في العودة إلى المسرات الأرضية الناقصة والمحدودة، هكذا هي الحال أيضا بالنسبة للكثير من الكائنات الكوكبية. فهي عند التحلل العادي لأجسامها الكوكبية تعجز عن تصور الحالة المتقدمة للغبطة الروحية في العالم السببي. وإذ تتمسك بأفكار كوكبية خشنة ومزوقة تتشوق للعودة إلى الفردوس الكوكبي ثانية. فهناك كارما ثقيلة ينبغي على تلك الكائنات استهلاكها قبل حصولها، بعد التحلل الكوكبي، على إقامة دائمة في عالم الأفكار السببي الذي لا يفصله عن الخالق سوى حجاب في غاية الرقة والشفافية.

"وحينما يتحرر الكائن من الرغبة في الاختبارات الكوكبية السارة للنظر ولا يمكن إغراؤه بالعودة ثانية إلى العالم الكوكبي، عندئذ فقط يصبح بقاؤه الدائم في عالم السبب مؤكدا. وإذ يتخلص (في عالم السبب) من كل بذور الكارما السيئة أو الرغبات السابقة، تدفع روحه الحبيسة عنها سدادة الجهل الثالثة والأخيرة. وحينما تبزغ الروح من الوعاء الأخير للجسم السببي فإنها تمتزج بالله السرمدي الدائم الباقي.

"فهل أدركتَ الآن هذه الحقائق؟"

فأجبته قائلا: "نعم، بفضلك وإحسانك أدركت. إن الفرح وعرفان الجميل يغمرانني ولساني عاجز عن التعبير."

وبالحقيقة أنني لم أحصل من قبل سواء عن طريق الأناشيد أو القصص الروحية على مثل هذه المعرفة الملهمة. ومع أن كتب الهند المقدسة تشير إلى العالمين الكوكبي والسببي وإلى أجسام الإنسان الثلاثة، لكن صفحات تلك الكتب بدت نائية ولا معنى لها مقارنة بالصدق الدافئ لمعلمي الذي بـُعث من الموت! فبالنسبة له لم يبقَ مكان لم يكتشفه ولا "أرض مجهولة لا يعود منها مسافر".(14)

واستطرد معلمي العظيم قائلا: "إن تداخل أجسام الإنسان الثلاثة فيما بينها يتجلى بطرق عديدة في طبيعته الثلاثية. ففي عالم اليقظة الأرضي يحس الإنسان بأجسامه الثلاثة بدرجة تتراوح بين الزيادة والنقصان. فحينما يستعمل الإنسان حواسه الخمس ويستغرق في الذوق أو الشم أو اللمس أو السمع أو النظر فإنه يعمل أصلا بجسمه المادي. وعندما يتخيّل أو يريد يعمل بجسمه الكوكبي. وحينما يفكر تفكيراً عميقاً أو يغوص في التأمل أو فحص الذات يعمل بجسمه السببي. وأفكار النبوغ الكونية تأتي لذلك الإنسان الذي يعتاد على ملامسة جسمه السببي. ومن هذا المنطلق يمكن تصنيف الإنسان بوجه الإجمال على أنه (إنسان مادي) أو (إنسان ناشط) أو (إنسان مفكر).

"ويرتبط الإنسان بجسمه المادي نحو ست عشرة ساعة يوميا ثم ينام. فإن استغرق في الأحلام يبقى في جسمه الكوكبي ويخلق دون عناء كل ما يريده تماما مثلما تفعل الكائنات الكوكبية. أما إن كان نومه عميقا وخالياً من الأحلام لمدى بضع ساعات يكون قد استطاع تحويل وعيه أو إحساسه بذاتيته إلى الجسم السببي. ومثل هذا النوم منعش ومجدد للقوى. الشخص الحالم يلامس جسمه الكوكبي وليس السببي، ولا ينتعش تماماً من هذا النوم الحالم."

كنت أنظر بشوق ومحبة إلى سري يوكتسوار وهو يقوم بهذا العرض العجيب للحقائق، وسألته قائلا:

"يا سيدي الملائكي، جسمك هذا يبدو تماماً كما كان عندما ذرفت دمعي فوقه في منسك بوري."

فأجابني: "نعم، إن جسمي الجديد هو صورة طبق الأصل عن الجسم القديم. فأنا أستطيع تكثيف هذا الجسم أو إذابته بإرادتي في أي وقت، أكثر بكثير مما كنت أفعل على الأرض. وبطرحه السريع أنتقل على الفور بمركبة الضوء الفائقة السرعة من عالم إلى عالم، أو بالأحرى من الكون الكوكبي إلى السببي أو إلى المادي."

وابتسم لي المعلم الأقدس واستطرد قائلا: "ومع أنكم تتنقلون بسرعة هذه الأيام، لكنني لم أجد صعوبة في تحديد مكانك والعثور عليك في بومباي!"

وقلت: "يا معلمي، لقد حزنت والله كثيراً على موتك!"

فلمعت عينا سري يوكتسوار بالحب والسرور وهو يجيبني: "تقول أنني مت؟ ألا يوجد تناقض فيما تقول؟ لقد كنتَ حالماً على الأرض. وعلى تلك الأرض رأيت شكلي الحلمي، من ثم واريته الثرى. والآن فإن جسمي الناعم هذا الذي تشاهده ويبدو لك من لحم ودم وما زلت حتى هذه اللحظة تضمه بقوة، قد بُعث من جديد على كوكب آخر حالم لكنه أكثر رقة من كواكب الله الأخرى الحالمة. ويوماً ما سيتلاشى ذلك الجسم والكوكب الرقيقان الحالمان لأنهما إلى زوال أيضاً. وكل فقاعات الأحلام لا بد لها أن تنفجر في النهاية بلمسة اليقظة. فميّز يا ابني يوغانندا بين الأحلام والحقيقة!"

لقد صدمتني فكرة البعث الفيدنتية(15). وشعرت بالخجل لأنني ندبت معلمي عندما رأيت جسمه الهامد المسجّى في بوري. وأخيراً فهمت أن معلمي كان مستيقظاً على الدوام في الله، ومدركاً أن حياته ووفاته على الأرض وبعثه الحالي ليست سوى أمور نسبية لأفكار إلهية في الحلم الكوني.

وأضاف المعلم: "لقد أطلعتك الآن يا يوغانندا على الحقائق المتعلقة بحياتي وموتي وقيامتي، فلا تحزن عليّ، بل أعلن في كل مكان قصة قيامتي من أرض الله الحلمية إلى كوكب آخر من أحلام الله تسكنه أرواح راقية ذات أجسام أثيرية، وسيستيقظ أمل جديد في قلوب الذين طغى عليهم الشقاء ونفوس الحالمين في العالم الذين يرهبون الموت."

فقلت: "حباً وكرامة يا سيدي." أجل، بكل سرور وعن طيب خاطر سأقاسم الآخرين ابتهاجي بقيامتك المجيدة.

واستطرد معلمي بحنان: "لقد كانت مُثـُلي على الأرض سامية بكيفية غير مريحة للآخرين وغير ملائمة لطبائع معظم الناس. وأحياناً عنـّفتك أكثر من اللزوم، لكنك اجتزت امتحاناتي وأشرقت محبتك من طيات التأنيب وثنايا التوبيخ. ولقد أتيت اليوم أيضاً لأخبرك أنني لن أزجرك أو انتهرك بعد اليوم أبدا."

وقلت: "يا معلمي الأعز، عنفني ألف مرة، أرجوك أن تفعل ذلك الآن!" آه كم تشوقت إلى تعنيفات معلمي العظيم التي كان كل منها ملاكاً حارساً يحميني ويقيني عثرات الحياة. لكنه أجابني: "كلا، لن أزجرك مرة أخرى."

وكان صوته المقدس رصيناً يخالطه الضحك عندما قال: "سوف نبتسم معا طالما بدا شكلانا منفصلين في الحلم الإلهي، لكننا سنمتزج في النهاية ونصبح واحدا مع المحبوب الكوني. ابتسامتنا ستصبح ابتسامته، وأغنيتنا المشتركة للفرح المتموج في ثنايا الأبدية ستـُبثُ لكل النفوس المتناغمة مع الله!"

وأعطى سري يوكتسوار إضاءات على أمور محددة لا يمكنني إفشاءها هنا. وفي غضون الساعتين اللتين صرفهما معي في حجرة الفندق ببومباي أجاب على جميع أسئلتي. وهناك عدد من النبوءات العالمية التي نطق بها في ذلك اليوم المشهود من شهر يونيو / حزيران 1936 قد تحقق فعلا.

ثم خاطبني قائلا: "إنني أتركك الآن أيها المحبوب!"

وبهذه الكلمات شعرت بالمعلم يذوب من بين ذراعيّ الملفتين حوله. ودوّى صوته مهتزاً في أفق روحي: "أي بني، عندما تدخل باب النيربيكالبا صمادهي (النشوة العظمى) وتناديني سأجيء إليك بلحمي ودمي مثلما فعلت اليوم."

وبهذا الوعد السماوي اختفى سري يوكتسوار عن بصري، وظل صوتٌ سحابيّ يردد في رعد موسيقي: "خبّر الجميع أن من يتحقق عن طريق الإشراقة الروحية أن أرضكم هي حلم الله يمكنه أن يأتي إلى الحلم الكوني الألطف (هيرانيالوكا) ويجدني قد بُعثت في جسم شبيه بجسمي الأرضي تماما. يوغانندا، خبّر الجميع!"

زال ألم الفراق بالمرة وتبدد الحزن واللوعة لفراقه، وكانت هذه المنغصات قد أرقتني لفترة طويلة. وها هي الآن قد ولـّت دون عودة. وغمرت نفسي غبطة فائقة كينبوع متدفق من مسامات الروح التي لا حصر لها، بعد أن كانت تلك المسامات معطلة قبلاً بفعل عدم الاستعمال. لكنها تفتحت الآن واتسعت بنقاء الإبتهاج النشواني العجيب. وتراءت تجسداتي السابقة لبصري الداخلي في تعاقب كصور سينمائية. وذابت الكارما الماضية الرديئة والطيبة معاً في الضوء الكوني الذي سكبته حولي زيارة معلمي المقدسة.

في هذا الفصل من سيرة حياتي امتثلت لأمر معلمي وأعلنت البشائر السارة. مع أنها ستحيّر مرة أخرى عقل هذا الجيل غير المبالي والغافل بجوهر الحقيقة. التذلل وتعفير الوجه يعرفهما الإنسان جيدا، واليأس والقنوط ليسا غريبين عن نفسه. لكن هذه الشواذ والانحرافات ليست جزءا لا يتجزأ من قدر الإنسان الحقيقي. وعندما يريد ويعقد العزم الأكيد سيضع قدميه على طريق الحرية. لقد أنصتَ طويلا إلى تشاؤم الناصحين ونصح المتشائمين المزعج: "إنك تراب وإلى التراب تعود" ولذلك لم يكترث كثيراً بنفسه التي لا تقهر.

لم أكن الوحيد الذي تبارك برؤية المعلم المبعوث حيا، بل رأته كذلك تلميذة له متقدمة في السن تعرف تحببا بإسم (ما) أي الأم. فقد كان بيتها قريبا من منسك بوري، وغالباً ما كان سري يوكتسوار يقف للتحدث معها أثناء مشاويره الصباحية. وفي مساء 16 مارس/آذار 1936 أتت ما إلى المنسك وطلبت رؤية معلمها، فنظر إليها بحزن سوامي سيبانندا المشرف آنذاك على منسك بوري وقال: "هذا غير ممكن، فالمعلم توفي منذ أسبوع."

وتبسمت التلميذة قائلة: "مستحيل!"

فأجابها سيبانندا أنه بالفعل توفي، ثم روى لها تفاصيل مواراة جثمانه التراب، وأضاف قائلا:

"تعالي، سآخذك إلى الحديقة الأمامية حيث يوجد ضريحه."

لكنها هزت رأسها قائله: "لا يوجد قبر بالنسبة له! ففي العاشرة من صباح اليوم مر المعلم أمام باب منزلي أثناء سيره المعتاد، وقد تحدثت إليه لبضع دقائق في وضح النهار، ثم قال لي: ’تعالي إلى المنسك في المساء.‘ وها أنا قد أتيت! ألا فلتنسكب بركات السماء على هذا الرأس الأشيب! فالمعلم الخالد أرادني أن أفهم أنه زارني هذا الصباح في جسم نوراني!"

عندئذ ركع سيبانندا المندهش أمامها وهو يقول:

"يا أماه، لقد رفعتي الآن عبئاً ثقيلا من الهم والحزن عن قلبي! فالمعلم قد بُعث حيا!"

حواشي الفصل Footnotes for Chapter 43

(1) راجع الفصل 26. في السابيكالبا صمادهي يدرك المريد وحدته مع الروح الإلهي لكنه لا يستطيع الاحتفاظ بوعيه الكوني إلا في الغيبوبة أو حالة الإستغراق الذاهل دون أية حركة جسدية. وبالتأمل المتواصل يبلغ حالة النيربيكالبا صمادهي الأسمى، حيث يمكنه التنقل والحركة بحرية في العالم والقيام بواجباته دون أي فقدان لوعيه بالله. في النيربيكالبا صمادهي يذيب اليوغي آخر بقايا الكارما المادية. ومع ذلك فقد يبقى لديه كارما كوكبية وسببية ينبغي استهلاكها، ولذلك يتخذ أجساماً كوكبية ومن ثم سببية في مناطق ذات اهتزازات عالية.

(2) لأن معظم الناس لا يرون أية ضرورة لبذل أي مجهود روحي إضافي نظراً لتمتعهم بمحاسن ومباهج العوالم الأثيرية.

(3) استخدم سري يوكتسوار كلمة (برانا Prana) وقد ترجمتها إلى lifetrons أي جوهر أو كهارب الحياة. وتشير أسفار الهند ليس فقط إلى الذرة (آنو) وإلى ما وراء الذرة (بارامانو) وهي أنواع من النشاط الالكتروني الشفاف، بل أيضا إلى برانا (القوة الخالقة المحيية). الذرات والالكترونات بذاتها هي قوى عمياء، في حين برانا هي قوة موهوبة بالذكاء الفطري. فذرات الحياة في السائل المنوي والبويضات على سبيل المثال تسيّر النمو الجنيني طبقاً لخريطة كونية.

(4) مانترا mantra هي أصوات إنشادية مقذوفة يتم إطلاقها من مدفع التركيز العقلي. وتصف البورانا (الرسائل القديمة) حرباً من تلك الحروب العقلية بين الملائكة والشياطين. وحدث ذات مرة أن حاول شيطان الفتك بملاك باستخدام أنشودة ذات قوة تركيزية عالية، لكنه بسبب الخطأ في النطق ارتدت القذيفة العقلية إلى فاعلها وقضت على الشيطان.

(5) لا تعوزنا الأمثلة على وجود مثل هذه القوى حتى على الأرض، كما هو الحال مع هيلين كيللر، وأشخاص آخرين نادرين.

(6) يستطيع الأطفال الطاهرون ذوو الفكر النقي أن يشاهدوا على الأرض أحيانا أشكال حوريات أثيرية ظريفة. واستعمال المخدرات أو المشروبات المسكرة – التي تحرمها كل الكتب المقدسة – قد يسبب خللا في توازن وعي الإنسان بحيث يرى الأشكال الشنيعة والفظيعة لأقطار الجحيم الكوكبي.

(7) في إحدى المرات سئل السيد العظيم بوذا: "لماذا ينبغي أن يحب الإنسان كل الناس بالتساوي؟" فأجاب المعلم العظيم: "لأنه إبان الحيوات العديدة والمختلفة كان كل إنسان، في وقت ما، عزيزاً عليه."

(8) العناصر الثمانية التي تدخل في تركيب سائر المخلوقات ابتداء من الذرة وحتى الإنسان هي التراب والماء والنار والهواء والأثير والحركة والعقل والفردية. (بهاغافاد غيتا 4:7)

(9) يقصد بكلمة (جسم) كل غلاف للنفس، سواء كان خشناً أو شفافاً. والأجسام الثلاثة هي أقفاص طائر الفردوس (الروح).

(10) تماماً كما أعان باباجي لاهيري مهاسايا على تحقيق رغبة باطنية اعتملت في نفسه في حياة سابقة لامتلاك قصر، مثلما ورد في الفصل 34.

(11) "فقال لهم: حيث تكون الجثة فهناك تجتمع النسور" لوقا 37:17. أي حيث توجد الروح المغلفة بالجسم المادي أو بالجسم الكوكبي أو بالجسم السببي فهناك تجتمع نسور الرغبات التي تنقضّ على نقاط الضعف في الحواس البشرية، أو على التعلقات الكوكبية أو السببية. كما تجتمع تلك النسور (الرغبات) أيضاً لإبقاء النفس أسيرة ومقيدة.

(12) "من يغلب فسأجعله عموداً في هيكل إلهي، ولا يعود يخرج (أي لا يعود للتجسد فيما بعد). من يغلب فسأعطيه أن يجلس في عرشي، كما غلبت أنا أيضا وجلست مع أبي في عرشه" رؤيا 12:3، 21

(13) لقد عنى سري يوكتسوار بذلك أنه كما حمل أحياناً في تجسده الأرضي عبء المرض لتخفيف كارما تلاميذه، هكذا تمكنه مهمته كمخلـّص في العالم الكوكبي من أن يأخذ على عاتقه كارما محددة لساكني هيرانيالوكا، من أجل تسريع تطورهم وارتقائهم إلى عالم السبب الأعلى.

(14) شكسبير في مسرحية هاملت (الفصل الثالث، المشهد الأول)

(15) الحياة والموت هما فكرتان نسبيتان. وتشير الفيدانتا إلى أن الله هو الحقيقة الوحيدة، وأن سائر الخلق أو الوجود المنفصل عنه ليس سوى وهم أو خداع. وقد حصلت الفلسفة التوحيدية هذه على أعمق وأشمل تفسير لها في شروحات الأوبانيشاد لشانكرا.


لقراءة المزيد من الموضوعات رجاء النقر على Older Posts أو Newer Posts أسفل الصفحة

No comments:

Post a Comment