Friday, July 1, 2011

برمهنسا يوغانندا: الله لا يتخلى عن محبيه

الله لا يتخلى عن محبيه

قصة واقعية حسبما رواها المعلم برمهنسا يوغانندا

"لو أن والدنا حرمك من الميراث يا موكندا(1) لكنتَ بالفعل تستحق ذلك، فأنت تضيّع حياتك بسخف وحماقة!"

هكذا اقتحمت أذني تلك الموعظة من أخي الأكبر. وكنت قد عدت مع جيتندرا للتو من القطار وقد غطتنا طبقة من الغبار حينما بلغنا منزل أنانتا الذي كان قد انتقل أخيرا إلى مدينة أغرا القديمة. وكان أخي الأكبر يعمل محاسباً بقسم الأشغال العامة في الحكومة، فقلت له: "أنت تعلم يا أخي أنانتا أنني أطلب ميراثي من الله."

أجابني: "المال أولا والله يأتي فيما بعد! من يدري؟ فقد تكون الحياة طويلة!"

قلت: "الله أولا والمال عبده! ومن يستطيع التنبؤ؟ فقد تكون الحياة قصيرة!"

أتت إجابتي عفوية دون أن أشعر أن شيئاً ما وشيك الحدوث. (إنما وا أسفاه! فقد ارتحل أنانتا عن هذا العالم في سن مبكرة.)

والتمعت عينا أخي بالرضا إذ كان لا يزال يأمل في عودتي إلى العش العائلي، فقال:

"أظنها حكمة من الصومعة. ولكن يبدو لي أنك تركت بنارس!"

فقلت له: "لم تكن إقامتي في بنارس غير مثمرة، إذ وجدت فيها كل ما كان يصبو إليه قلبي! وبإمكانك أن تثق أن ما وجدته لم يكن ذلك (العلاّمة) الذي قابلته بصحبتك، ولا ولده."

وشاركني أنانتا بالضحك لذكرى ما حدث، وقد اعترف بنفسه أن عالم بنارس "صاحب الجلاء البصري" الذي اختاره لكي يكون مرشدي تبيّن أنه بالفعل مصاب بعدم التبصر وضعف البصيرة. وسألني:

"إذن ما هي خطتك يا أخي التائه الجوّال؟"

فأجبته موضحاً: "طلب مني جيتندرا مرافقته إلى مدينة أغرا لنستمتع بروائع التاج محل، ومن بعدها سنذهب إلى مرشدي الذي عثرت عليه حديثا، والذي عنده صومعة في بنارس.

أحسن أنانتا ضيافتنا، وفي المساء راح يرمقني مرارا بعينين فاحصتين، فقلت في نفسي:

"إنني أعلم ما وراء تلك النظرة! فهناك "طبخة" يحضّرها!"

وبالفعل حدث ما توقعته أثناء تناول طعام الفطور. وكانت نظرة أنانتا بريئة وهو يستجمع أطراف حديث الأمس بالقول: "إذاً هكذا تشعر أنك في غنى عن مال والدنا!"

قلت: "بل أن اعتمادي هو على الله وحده."

أجابني: "الكلام رخيص يا موكندا! لقد حماك القدر حتى هذه اللحظة. ولكن كم ستكون ورطتك محرجة لو اضطررتَ إلى الاعتماد على تلك اليد غير المنظورة كي تمدك بالغذاء والسكن! لا بد أنك ستلجأ عندئذ إلى التسول في الشوارع!"

قلت: "معاذ الله! فأنا لن أضع ثقتي في المارة بدلا من الله الذي يفتح أبواب الرزق لمن يتعبد إليه ويثق به ويدبر له مصادر عيش لا حصر لها، باستثناء الشحاذة والاستجداء!"

قال: "كلها تعابير بلاغية وكلمات طنانة! لنفرض أنني طلبت منك أن تضع فلسفتك التي تتباهى وتتبجح بها على محك التجربة الواقعية في هذا العالم المادي فهل تقبل؟"

قلت: "نعم أقبل! أيجوز أن نحصر الله في المجال النظري فقط؟"

قال: "سوف نرى. فاليوم ستكون أمامك الفرصة إما لتوسيع آرائي أو للاعتراف بصحتها."

وتوقف أنانتا للحظة دراماتيكية ثم واصل حديثه ببطء ورزانة قائلا:

"أقترح إرسالك مع صديقك جيتندرا هذا الصباح إلى مدينة برندبان القريبة من هنا شرط ألا تأخذ معك روبية واحدة، ولا تستجدي طعاما أو مالا، ولا تخبر أحداً عن ورطتك، ولا تظل بدون طعام أو تتقطع بك السبل في برندبان. فإن عدت إلى منزلي هنا قبل منتصف الليل دون الإخلال بأحد شروط هذا الاختبار فإنني سأكون أكثر الناس دهشة في أغرا!"

قلت: "وأنا أقبل التحدي."

لم يكن هناك من تردد لا في كلماتي ولا في قلبي. فقد ومضتْ ذكريات سارة عن العون الإلهي العاجل: شفائي من الكوليرا القاتلة بالتوسل إلى الله أمام صورة لاهيري مهاسيا، وهدية الطيارتين الورقيتين فوق سطح منزل لاهور، والتميمة التي أتت في حينها وسط القنوط والإحباط في باريللي، والرسالة الحاسمة على لسان ناسك بنارس المجهول خارج فناء منزل البانديت، ورؤية الأم المقدسة وسماع كلمات حبها الجليلة واستجابتها الفورية لأمنياتي عن طريق المعلم مهاسيا، والإرشاد الذي جاءني في اللحظة الأخيرة وساعدني في الحصول على شهادة الثانوية، ثم معلمي الحي وهو النعمة الأخيرة التي أتتني وسط ضباب أحلام العمر. لن أسمح أبدا بأن تكون "فلسفتي" غير كفؤ للصراع في ميدان هذا العالم القاسي المؤمن بالأدلة والبراهين الحسية.

وأجابني أخي قائلا: "إن قبولك للتحدي هو شرف لك، وسوف أرافقك في هذه اللحظة إلى القطار."

ثم التفت أنانتا إلى جيتندرا الفاغر الفم من شدة الدهشة وخاطبه قائلا: "يجب أن ترافقه كشاهد، ومن المحتمل جدا كضحية أيضا!"

وفي غضون نصف ساعة كنت مع جيتندرا نمسك تذاكر الذهاب فقط لهذه الرحلة الفجائية، بعد أن أخضعنا أنانتا لفحص دقيق في أحد أركان المحطة وتأكد بنفسه بأننا لم يكن معنا أي نقود، وأن قطع القماش التي كنا نلفها حول وسطنا لم تكن تخفي أكثر مما هو ضروري.

وقال صديقي محتجا وسط احتدام الصراع بين المال والأيمان: "أنانتا، اعطني روبية أو اثنتين كاحتياطي أستند إليه لأبعث إليك ببرقية في حال الحظ العاثر."

وصحت به موبخاً: "جيتندرا، لن أمضي في هذا الاختبار إن حملت معك نقودا كضمانة أخيرة."

فأجاب جيتندرا: "إن رنين العملة يبعث على الاطمئنان." ولكن لم يكن أمامه سوى الصمت عندما زجرته بصرامة.

وقال أخي الأكبر: "يا موكندا، إنني لست عديم الشفقة."

ورنت نغمة التواضع في صوت أنانتا، وربما كان ضميره يؤنبه لإرساله صبيين مفلسين إلى مدينة غريبة، أو لعدم إيمانه في قدرة الله، ثم أردف قائلا:

"إذا تمكنت بفعل أية صدفة أو نعمة من اجتياز محنة برندبان بنجاح فسأطلب منك أن تكرسني تلميذا لك."

وكان هذا الوعد شاذا لا يتلاءم مع العادات والتقاليد المرعية. فالأخ الأكبر في الأسر الهندية قلما ينحني أمام من يصغره، فهو يأتي بعد الأب مباشرة في تلقي الاحترام والطاعة ممن يصغرونه سنا، إلا أنه لم يبق من وقت للتعليق على ما قاله، إذ شرع القطار بالتحرك.

التزم جيتندرا بصمت حزين والقطار ينطلق بسرعة، وأخيرا تحرك في مقعده وقرصني بشدة في مكان موجع، وهو يقول:

"لا أرى ما يوحي بأن الله سيزودنا بالوجبة القادمة!"

فقلت: "إلزم الهدوء يا مرتاب، فالله يعمل في الخفاء."

أجاب: "هل يمكنك أن تستعجله؟ أكاد أن أهلك جوعا لمجرد التفكير فيما ينتظرنا. لقد تركت بنارس لأستمتع بمشاهدة ضريح التاج محل، لا أن أدخل ضريحي الذاتي!"

فقلت: "طب نفساً وابتهج يا جيتندرا! ألسنا في طريقنا لإلقاء النظرة الأولى على عجائب برندبان المقدسة؟ إنني أذوب شوقاً لمجرد التفكير بأنني سأطأ الأرض التي باركتها قدما السيد كريشنا."

في تلك اللحظة فـُتح باب مقصورتنا ودخل رجلان، وقد كانت المحطة التالية هي الأخيرة.

خاطبني الغريب الذي جلس مقابلي باهتمام ملحوظ مستعلماً: "يا شباب، هل عندكما أصدقاء في برندبان؟"

وحوّلت بصري عنه بجفاء قائلا: "هذا ليس من شأنك."

فقال: "لعلكما هاربين من أسرتيكما بسحر سارق القلوب. أنا أيضاً صاحب أشواق روحية وسأتأكد من حصولكما على الطعام والمأوى من هذا الحر الشديد."

أجبته: "كلا يا سيدي، دعنا وشأننا. إنك كريم لكنك تخطئ إذ تظننا هاربين."

انتهى الكلام بيننا عند هذا الحد. وما أن توقف القطار ونزلت مع جيتندرا إلى الرصيف حتى لفّ صديقا الصدفة أذرعهما حولنا واستدعيا مركبة أجرة.

ترجلنا أمام منسك فخم في بقعة رائعة وسط الأشجار الدائمة الخضرة. وواضح أن المحسنين كانا معروفين هناك، إذ تقدم منا صبي مبتسم وقادنا دون تعليق إلى غرفة استقبال حيث رحبت بنا عجوز ذات طلعة بهية محترمة.

وخاطب أحد الرجلين المضيفة قائلا: "يا حضرة الأم جوري، لن يتمكن الأميران من الحضور. ففي اللحظة الأخيرة تغيّر برنامجهما وقد بعثا إليكِ بخالص الشكر وشديد الاعتذار. لكننا أتينا بضيفين آخرين شعرت حينما تقابلنا في القطار بانعطاف نحوهما كمريدين للسيد كريشنا."

واتجه الرفيقان نحو الباب مرددين: "نستودعكما السلامة يا صديقينا الصغيرين، سوف نلتقي ثانية إن شاء الله."

وافتر ثغر الأم جوري عن ابتسامة حنان عذبة لضيفيها غير المتوقعين وهي تقول: "يا أهلا ويا مرحبا بكما؟ لم يكن ممكنا أن تأتيا إلى هنا في يوم أفضل من هذا. لقد كنت أتوقع حضور أميرين إلى هذه الصومعة. إنني سعيدة لقدومكما وإلا لكنت سأذوب خجلا لو أن الطعام الذي أعددته بعناية كبيرة لم يجد من يتذوقه ويستطيبه!"

كان لهذه الكلمات الطيبة تأثير مثير للدهشة على جيتندرا الذي انفجر باكيا. فالمصيبة التي كان يخشى حدوثها في برندبان تحولت إلى مأدبة تليق بالملوك والأمراء. وكان هذا التحول المفاجئ أكبر من أن يتحمله. فتطلعت إليه المضيفة بفضول لكن دون تعليق، إذ ربما كانت على دراية بانفعالات المراهقين.

دُعينا إلى الغداء، فأخذتنا الأم جوري إلى غرفة الطعام المعطرة بالروائح المثيرة للشهية، ثم توارت في المطبخ المجاور.

وكنت في انتظار هذه اللحظة، فتخيرت بقعة ملائمة من جسم جيتندرا وقرصته قرصة مشابهة لقرصته لي ونحن في القطار، قائلا:

"إن الله يعمل وبسرعة أيضا يا قليل الإيمان!"

وعادت المضيفة تحمل بيدها مروحة راحت تهوّي لنا بها على الطريقة الشرقية دون توقـّف، بينما كنا نجلس على بطانيات مزخرفة. وراح تلاميذ المنسك يجلبون ما يقرب من الثلاثين لوناً من الطعام. تلك لم تكن مجرد وجبة غداء عادية، بل وليمة فاخرة! فمنذ قدومنا إلى هذا الكوكب الأرضي لم نذق من قبل مثل هذه الأطعمة الشهية.

وتوجهت بالحديث إلى مضيفتنا قائلا: "إنها أطباق تليق فعلا بالأمراء أيتها الأم المحترمة! لست أدري ما هو ذلك الأمر الملحّ الذي اعتبره ضيفاك الملكيان أهم من حضور هذه المأدبة! لقد منحتينا ذكرى من ذكريات العمر لن ننساها أبدا!"

وإذ منعتنا شروط أنانتا من الإفصاح عن المزيد، فلم نستطع أن نبيّن للسيدة الجليلة أن شـُكـْرنا يحمل معنى مزدوجاً، لكن إخلاصنا كان واضحا. وقد ارتحلنا مزودين ببركاتها وبدعوة حارة لأن نعاود زيارة للمنسك.

كان الحر في الخارج قاسيا لا يرحم، فاحتميت مع صديقي في ظل شجرة كادمبا عند باب المنسك. وقد تلا ذلك كلام جارح، إذ للمرة الثانية ساور جيتندرا التوجس والارتياب، فقال:

"يا لها من ورطة أوقعتني بها ، فغداؤنا كان من قبيل الحظ! والآن كيف السبيل إلى التمتع بمحاسن هذه المدينة دون قطعة نقود واحدة في يدنا؟ ثم هل لك أن تخبرني كيف سنتمكن من العودة إلى بيت أنانتا؟"

فقلت: "أما وقد امتلأت معدتك الآن، فما أسرع نسيانك لله!"

لم تكن كلماتي قاسية بل عتابية. فما أقصر ذاكرة الإنسان حيال نعم السماء! لا يوجد في هذا العالم إنسان واحد لم يحصل على استجابة لبعض توسلاته."

أجاب جيتندرا: "لن أنسى حماقتي في المجازفة مع شخص متهور مثلك!"

قلت: "كفى يا جيتندرا، فالله الذي أطعمنا هو نفسه يتدبر أمرنا في برندبان وسيعيدنا إلى أغرا!"

وما أن انتهيت من كلامي حتى اقترب منا بسرعة شاب صغير يبعث وجهه في النفس الطمأنينة والارتياح. وإذ وقف تحت شجرتنا انحنى أمامي قائلا:

"يا صديقي العزيز، لا بد أنك ورفيقك غريبان هنا، فاسمح لي أن أكون مضيفكما ودليلكما."

ومع أن وجه الهندي نادراً ما يمتقع، إلا أن وجه جيتندرا علاه على الفور شحوب واصفرار المرض. رفضتُ هذا العرض بأدب. لكن الشاب انفعل انفعالا كبيرا، لو كان في ظروف أخرى لكان يبعث فعلا على الضحك. وأجابني:

"بالتأكيد لن تتمكن من التخلص مني!"

قلت: "ولمَ لا؟"

فتطلع إلي بثقة قائلا: "لأنك معلمي. فبينما كنت أتأمل عند الظهيرة أبصرت السيد المبارك كريشنا في رؤية وأراني شخصين تحت هذه الشجرة بالذات، كان أحدهما وجهك يا معلمي الذي كثيرا ما رأيته في تأملاتي! كم سأكون سعيداً لو قبلتما خدماتي المتواضعة!"

فقلت: "وأنا أيضاً سعيد لأنك وجدتني. فلا الله هجرنا ولا الإنسان تخلى عنا!"

ومع أنني كنت واقفاً دون حراك، أبتسمُ لذلك الوجه المتلهف الماثل أمامي، إلا أن إحساساً بالخشوع جعلني أنحني بالروح عند الأقدام الإلهية.

وقال الفتى: "يا صديقيّ، كم أطمع في تشريفكما لبيتي بزيارة!"

فقلت: "أنك فتى كريم، لكننا لا نستطيع ذلك لأننا في ضيافة أخي في أغرا."

قال: "إذاً فاسمحا لي على الأقل بمرافقتكما في برندبان تذكاراً للقائنا هذا."

قبلت الدعوة بسرور، فطلب الشاب – وكان أسمه براتاب شاترجي – عربة يجرها حصان، فقصدنا معبد مدانا موهانا ومعابد أخرى لكريشنا. وحل الظلام ونحن ما زلنا نبتهل في المعبد. بعد ذلك قال براتاب:

"أستأذنكما في الحصول على بعض الحلويات."

ودخل دكاناً قريبا من محطة القطار، في حين كنا نتمشى في الشارع الفسيح الذي راح يغص بالمارة وكان الجو قد أصبح بارداً نسبياً. غاب صديقنا قليلا ثم عاد يحمل الكثير من الحلوى. وابتسم بتوسل وهو يمسك بحزمة من أوراق النقد مع تذكرتين ابتاعهما لسفرنا إلى أغرا، قائلا: "رجائي أن تمنحاني هذا الشرف الروحي."

وما كان قبولي إلا احتراماً لتلك اليد الخفية. ألم يكن سخاؤها – الذي سخر منه أنانتا – أكثر بكثير مما هو ضروري؟

وبحثنا عن زاوية منعزلة قرب المحطة وقلت:

"براتاب، سألقنك الكريا: طريقة لاهيري مهاسيا أعظم يوغي في العصر الحديث. وطريقته هذه ستكون مرشدك الروحي."

تم التكريس في نصف ساعة، وخاطبت التلميذ الجديد قائلا: "ستكون الكريا الدرّة الثمينة التي تحقق لك أمانيك. إن هذا الفن الذي تراه بسيطاً يشتمل على أسلوب التقدم الروحي السريع. الأسفار الهندية المقدسة تقول أن الذات البشرية المتجسدة تحتاج إلى مليون عام للتحرر من الخداع الكوني، لكن هذه الفترة الطبيعية الطويلة يمكن اختزالها كثيرا بفعل الكريا يوغا. وكما أثبت جاغادس شندرا بوز أن نمو النبات يمكن تسريعه أكثر من المعتاد، هكذا يمكن تعجيل نمو الإنسان النفسي بالمعرفة الباطنية. كن مخلصاً في ممارستك وسوف تقترب من الله معلم المعلمين ومرشد المرشدين."

وقال براتاب بتمعن: "أحس ببهجة عارمة لعثوري على هذا المفتاح اليوغي المبارك الذي طال بحثي عنه. إن تأثيره الروحي سيخلصني من قيود الحواس ويدفعني نحو عوالم أسمى. فرؤية السيد كريشنا اليوم هي بركات عظيمة في حياتي."

وجلسنا للحظات في فهم صامت ثم سرنا على مهل باتجاه المحطة. وكان الفرح يغمرني وأنا أستقل القطار، في حين كان جيتندرا يذرف الدمع. وكان وداعي لبراتاب مؤثراً تتخلله الزفرات والعبرات من صديقيّ الاثنين. مرة أخرى غرق جيتندرا في بحر من الحزن، ليس لذاته هذه المرة بل ضد نفسه، وراح يقول:

"آه كم كان إيماني بالله ضعيفاً! لقد كان قلبي متحجرا، أما الآن فلن أشك بعناية الله أبدا."

وما أن انتصف الليل حتى كان المغامران اللذان أرسِلا دون فلس واحد يدخلان بيت أنانتا. وقد كان وجهه بالفعل مثلما وعد مليئا بالدهشة. وبهدوء أمطرت الطاولة بالروبيات. فقال مازحاً: "قل الحقيقة يا جيتندرا! ألم يلجأ هذا الشاب إلى قطع الطرق والتشليح؟"

ولكن ما أن سمع تفاصيل القصة حتى انقلب أخي جاداً ثم مكتئبا، وقد نطق بحماس روحي لم أره من قبل:

"إن قانون العرض والطلب يصل إلى آفاق أكثر شفافية مما كنت أظن. ولأول مرة أفهم سبب عدم اكتراثك بالمال وتكديسه المبتذل في هذا العالم."

ومع أن الوقت كان متأخراً لكن أخي أصر على تكريسه في الكريا يوغا. وهكذا كان على المعلم موكندا أن يتحمل في يوم واحد مسؤولية "طالبين" لم يطلبهما.

في صباح اليوم التالي تناولنا الإفطار في جو من الهدوء والانسجام كان مفقوداً في اليوم السابق. وابتسمت لجيتندرا وأنا أقول:

"لن تـُحرم من رؤية التاج محل. دعنا نلقي عليه نظرة قبل ارتحالنا إلى سيرامبور."

وودعنا أنانتا قاصدين رائعة وفخر أغرا: التاج محل برخامه الأبيض المتألق في ضوء الشمس، كحلم من التطابق التام. وكان محاطاً بأشجار السرو الداكنة والمروج الخضراء والبحيرة الساكنة، وقد ازدان داخله بنقوش مطعمة بأحجار شبه كريمة. وظهرت الأكاليل والنقوش الأنيقة متقاطعة ومتشابكة فوق الرخام البني والبنفسجي، في حين كانت الإضاءة الصادرة عن القبة تغمر ضريحيّ الامبراطور شاه جيهان وممتازي محل: ملكة مملكته وقلبه.

أحسست أنني رأيت بما فيه الكفاية وقد كنت في غاية الشوق لرؤية معلمي، فانطلقت للتو مع جيتندرا صوب الجنوب في اتجاه البنغال. وقال رفيقي: "موكندا، إنني لم أر أسرتي منذ شهور. لقد غيرت خطتي وربما زرت معلمك في سيرامبور فيما بعد."

وتركني رفيقي – الذي يمكن وصفه وصفاً لطيفاً بأنه متقلب المزاج – في كلكتا فوصلت بالقطار المحلي إلى سيبرامبور الواقعة على بعد اثني عشر ميلا إلى الشمال.

وأحسست بخلجة من الدهشة عندما تيقنت أن ثمانية وعشرين يوما قد انقضت منذ مقابلة معلمي في بنارس وقوله لي: "ستعود بعد أربعة أسابيع!" وها أنا أقف بقلب خافق في باحة منسكه في جادة راي غات الهادئة، وأدخل للمرة الأولى إلى الصومعة حيث قدر لي أن أمضي القسم الأكبر من السنوات العشر التالية مع حكيم الهند العظيم معلمي سوامي سري يوكتسوار!

المصدر: مذكرات يوغي – السيرة الذاتية Autobiography of a Yogi

بقلم برمهنسا يوغانندا

ترجمة حديثة منقحة: محمود عباس مسعود

(1) موكندا هو إسم المؤلف قبل أن يصبح برمهنسا يوغانندا

مزيد من تعاليم المعلم برمهنسا يوغانندا على الرابط التالي

www.swaidayoga.com

لقراءة المزيد من الموضوعات رجاء النقر على Older Post أو Newer Post أسفل الصفحة

No comments:

Post a Comment