Sunday, July 3, 2011

برمهنسا يوغانندا: علم الكريا يوغا

علم الكريا يوغا
مزيد من تعاليم المعلم برمهنسا يوغانندا

على الروابط التالية:
 
 
 

----------------------------------------
 
إن علم الكريا يوغا الذي ورد ذكره كثيراً في هذه الصفحات قد انتشر في الهند الحديثة عن طريق لاهيري مهاسيا معلم معلمي. والأصل السنسكريتي لكلمة كريا هو كري: يعمل، يفعل، يتجاوب أو يتفاعل مع. وهو موجود أيضا في كلمة كارما: القانون الطبيعي للسبب والنتيجة. أما كلمة يوغا فتعني الإتحاد. ومن هنا فإن كريا يوغا تعني الاتحاد بالله بواسطة طقس أو طريقة خاصة (كريا). فاليوغي الذي يمارس هذا العلم بأمانة يتحرر تدريجيا من الكارما أو الأحداث المحتومة لتوازنات الأسباب والنتائج.
وامتثالا لتعليمات يوغية قديمة لن أقدّم هنا شرحاً وافياً عن الكريا يوغا في كتاب معد لجمهور القرّاء ككل. فالطريقة الفعلية ينبغي تلقيها من كريابان أي من يوغي حاصل على كريا يوغا ومنتسب لجماعة معرفة الذات Self-Realization Fellowship أو لجماعة يوغودا ساتسانغا Yogoda Satsanga في الهند. وسأكتفي هنا بإشارة كافية عن الكريا يوغا:
الكريا يوغا هي طريقة نفسانية وبدنية بسيطة الغاية منها تنقية الدم من الكربون ثم شحنه ثانية بالأوكسجين. وذرات هذا الأوكسجين الإضافي تتحول إلى تيار حيوي ينعش الدماغ والمراكز الفقرية. وبوقف تراكم الدم الوريدي يستطيع اليوغي تقليل أو منع تحلل الأنسجة. واليوغي المتقدم يحوّل خلايا جسمه إلى طاقة بحت. فالنبي إيليا (إلياس) والسيد المسيح والمعلم الهندي كبير وغيرهم من الأنبياء كانوا سادة قدماء متمرسين في استخدام طريقة الكريا أو طريقة مشابهة لها، مكنتهم من تكثيف أجسادهم وتحليلها بالإرادة.
فالكريا علم قديم تسلمه لاهيري مهاسيا من معلمه باباجي الذي اكتشف مجددا هذا العلم وشرحه بعد ضياعه في العصور المظلمة. وقد أطلق عليه باباجي من جديد اسم (كريا يوغاKriya Yoga وقال للاهيري مهاسيا بهذا الخصوص:
"إن الكريا يوغا التي أعطيها للعالم عن طريقك في هذا القرن التاسع عشر هي إحياء لنفس العلم الذي منحه كريشنا لأرجونا منذ آلاف السنين، والذي أصبح معلوماً في ما بعد لكل من بتانجالي والسيد المسيح والقديس يوحنا والقديس بولس ولتلاميذ آخرين. "
كذلك أشار كريشنا – أعظم أنبياء الهند – إلى الكريا يوغا في فقرة من البهاغافاد غيتا بقوله:
"بتقدمة نَفـَس الشهيق إلى نَفـَس الزفير، وتقدمة نَفـَس الزفير إلى نَفـَس الشهيق، ينجح اليوغي في تحييد هذين النَفـَسين، محرراً بذلك قوة الحياة من القلب ومتمكناً في نفس الوقت من التحكم بتلك الطاقة. "(بهاغافاد غيتا 29: 4)
وتفسير ذلك هو ما يلي: " يتمكن اليوغي من وقف عملية التحلل في الجسم بالحصول على كمية إضافية من (برانا) أي قوة الحياة عن طريق تهدئة عمل الرئتين والقلب ووقف التغير الفجائي للنمو في الجسم بضبط التيار الطارد (آبانا). وبإبطال مفعول التحلل والنمو يتعلم اليوغي ضبط قوة الحياة. كما تشير فقرة أخرى من الغيتا إلى ما يلي:
"إن ذلك الضليع في التأمل (موني) يحرز تحرراً أبدياً. إذ في بحثه عن الهدف الأسمى يستطيع الانسحاب من العالم المظهري بحصر بصره في النقطة التي ما بين الحاجبين. كما يبطل أيضاً مفعول التيارين المتعادلين (برانا وآبانا) المنسابين من وسط فوهتي الأنف والرئتين، ويتمكن من التحكم بالعقل الحسي والفكر، ومن التغلب على الشهوات والخوف والغضب."
ويروي كريشنا (بهاغافاد غيتا 1: 4-2) أيضاً أنه هو الذي نقل في تجسد سابق علم اليوغا الخالد للمتنور القديم فيفا سوات الذي سلمه إلى المشرّع العظيم مانو(1). وهذا بدوره لقنه لمؤسس أسرة المحاربين الشمسية الهندية إكشواكو. ومع انتقال العلم بهذه الكيفية من شخص إلى آخر تمكن الحكماء من صيانة اليوغا الملكية حتى ظهور العصور المادية(2). بعد ذلك وبدافع التكتم على الأسرار الدينية وعدم اكتراث الناس أصبحت المعرفة المقدسة تدريجيا صعبة المنال.
وقد ورد ذكر الكريا يوغا مرتين في كتابات الحكيم بتانجالي أكبر مفسري اليوغا، على هذا النحو:
"تتكون الكريا يوغا من تدريب جسدي ومن ضبط العقل والتأمل على أوم"(3). ويتحدث بتانجالي عن الله على أنه الصوت الكوني الفعلي لأوم الذي يُسمع في التأمل(4). فأوم هو الكلمة الخالقة(5): دوي المحرك الكوني المهتز الشاهد على الوجود الإلهي(6). وحتى المبتدئ في اليوغا يسمع في أذنه الباطنية صوت أوم العجيب. وإذ يحصل على هذا التأكيد الروحي السار يدرك المريد أنه على اتصال وثيق بالمملكة الإلهية.
ويشير بتانجالي أيضاً إلى طريقة الكريا أو ضبط الحياة بقوله: "يتم إحراز التحرر بضبط قوة الحياة (برانا ياما)، وهذا يتحقق بفصل الشهيق عن الزفير."(7)
وكان القديس بولس على علم بالكريا يوغا أو بطريقة شديدة الشبه بها تمكن بواسطتها من تحويل تيارات الحياة إلى الحواس أو فصلها عنها بحيث أمكنه القول: "إنني أقرر بابتهاجنا الذي لي في المسيح أموت كل يوم."(8)
فباستخدام أسلوب خاص لتركيز قوة الحياة الباطنية (التي تنساب عادة خارجاً نحو دنيا الحواس فتمنحها حقيقة وهمية) تمكن القديس بولس يوميا من اختبار النشوة اليوغية الفعلية: الابتهاج أو الغبطة أو وعي المسيح. ففي تلك الحالة السعيدة كان يدرك أنه (ميت) بالنسبة إلى الأوهام الحسية – أوهام عالم الخداع – أو متحرر منها.
في الحالات الأولى للاتصال بالله (سابيكالبا صمادهي) يمتزج وعي المريد بالروح الكوني وتنسحب قوة حياته من الجسم الذي يبدو (ميتاً) أو متصلباً وعديم الحركة، ويكون اليوغي على إدراك تام بحالة الغيبوبة الجسدية تلك. وبتقدمه إلى الحالة الروحية الأسمى (نيربيكالبا صمادهي) يندمج كلياً في الله حتى في حالة اليقظة العادية أو القيام بالواجبات الدنيوية دون الحاجة إلى تثبيت الجسم (كما في وضع التأمل).
وقد فسر سري يوكتسوار لتلاميذه قائلا: "الكريا يوغا هي أداة تساعد على تسريع التطور البشري؛ فقد اكتشف اليوغيون القدامى أن سر الوعي الكوني مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتحكم في التنفس. وهذا هو كنز الهند الخالد المحفوظ في خزانة العالم المعرفية. فقوة الحياة التي تستخدم عادة في حفظ وصيانة حركة القلب الدائمة ينبغي أن تتحرر للقيام بنشاط أسمى عن طريق وقف أو تقليل متطلبات التنفس التي لا تنقطع."
ويوجّه الكريا يوغي بعقله نشاطه الحيوي ليدور إلى أعلى وإلى أسفل حول المراكز الفقرية الستة (الضفائر النخاعية، العنقية، الظهرية، الصلبية، العجزية، والعصعصية) المقابلة للعلامات الكوكبية الاثنتي عشرة لمنطقة البروج: رمز الإنسان الكوني. ونصف دقيقة من تمرير النشاط الحيوي حول العمود الفقري الحساس للإنسان يُحدث تطوراً شفافاً في ارتقائه. ونصف دقيقة من الكريا توازي من حيث المفعول سنة كاملة من التقدم الروحي الطبيعي.
إن الجسم الكوكبي (الأثيري) للإنسان مزود بستة أبراج داخلية. وهذه الأبراج الباطنية الستة تصبح اثني عشر بالاستقطاب، وتدور حول شمس العين الروحية العليمة بكل شيء. وهناك علاقة متبادلة بين العين الروحية والأبراج الباطنية وبين الشمس المادية ومنطقة الأبراج السماوية الاثني عشر. وعليه فإن جميع الناس يتأثرون بعالم باطني وبآخر ظاهري. وقد اكتشف الحكماء أن بيئة الإنسان الأرضية والسماوية تخضع لدورات طول كل منها 12 سنة تدفعه إلى الأمام في مساره الطبيعي. وتؤكد الأسفار المقدسة أن الإنسان يلزمه مليون سنة من التطور العادي الخالي من المرض لاستكمال نمو عقله البشري كي يصبح مؤهلاً لبلوغ الوعي الكوني.
إن ممارسة ألف كريا في ثماني ساعات ونصف تعطي اليوغي في يوم واحد ما يعادل ألف سنة من التطور الطبيعي، أو 365000 عام من التطور في عام واحد. وفي ثلاثة أعوام يستطيع ممارس الكريا أن ينجز بالمجهود الذاتي الواعي نفس النتيجة التي تحدثها الطبيعة في مليون عام. وبالطبع فإن طريق الكريا المختصر يمكن أن يسلكه فقط اليوغيون المتقدمون جدا في الروحيات. وبإرشاد معلم مستنير تمكن هؤلاء اليوغيون من إعداد أجسامهم وعقولهم بعناية بحيث تصمد للقوة التي يتم توليدها بالتطبيق الفائق التركيز.
المبتدئ في الكريا يمارس تمرينه اليوغي فقط أربع عشرة إلى أربعة وعشرين مرة دفعتين في اليوم. ويحصل بعض اليوغيين على التحرر في ستة أعوام أو اثني عشر أو أربعة وعشرين أو ثمانية وأربعين عاما. واليوغي الذي يموت قبل بلوغ الهدف يحمل معه الثمرة الطيبة لمجهوده السابق المكتسب من ممارسته للكريا، ويوجـَّه طبيعياً نحو هدفه اللانهائي في حياته الجديدة.
إن جسم الإنسان العادي يشبه مصباحاً قوته خمسون وحدة كهربائية (واط)، ولا قدرة له على تحمل قوة بلايين الواطات التي تحدثها الممارسة المفرطة للكريا. وبالزيادة المتدرجة والمنتظمة لممارسة طريقة الكريا الواضحة والبسيطة، يتغيّر جسم الإنسان أثيرياً من يوم إلى آخر ويصبح في النهاية قادراً على إظهار القوى اللانهائية الكامنة للطاقة الكونية: المظهر المادي والحيوي الأول للروح الكلي.
ولا يوجد رابط بين الكريا يوغا وتمارين التنفس غير العلمية التي يلقنها نفر من المتحمسين الواهمين. فحبس النـَفـَس عنوة في الرئتين هو أمر غير طبيعي وبالتأكيد ضار. أما ممارسة الكريا فتصحبها منذ البداية زيادة من السلام والإحساسات اللطيفة للتجدد المنعش الذي يحدث للعمود الفقري.
وتحوّل هذه الطريقة اليوغية القديمة النـَفـَسَ إلى مادة عقلية. وبالتقدم الروحي يستطيع الممارس أن يحس بالنـَفـَس على أنه مجرد فكرة أو وظيفة عقلية أو تنفس حلمي.
وهناك أمثلة عديدة يمكن إعطاؤها عن الصلة الوثيقة بين سرعة تنفس الإنسان والتغيرات في حالات وعيه. فالشخص الذي يستغرق في تتبع حوار عقلي معقد أو يحاول القيام بمجهود جسدي دقيق وشاق يتنفس تلقائيا ببطء شديد. وتركيز الانتباه يتوقف على التنفس البطيء، في حين يصاحب التنفس السريع أو غير المنتظم حالات عاطفية مؤذية كالخوف والشهوة الجنسية الجامحة والغضب. القرد يتنفس بمعدل 32 مرة في الدقيقة الواحدة مقابل 18 مرة فقط للإنسان. أما الفيل والسلحفاة والحية وغيرها من الحيوانات المعروفة بطول العمر فإن سرعة تنفسها تقل كثيرا عن الإنسان. فالسلحفاة العملاقة مثلا التي تعيش لثلاثمائة عام تتنفس بمعدل 4 مرات فقط في الدقيقة.
إن تأثيرات النوم المنعشة التي تجدد القوى هي نتيجة لعدم الإحساس المؤقت بالجسم وبالنـَفـَس. فالنائم يصبح يوغياً ويقوم كل ليلة – بغير وعي منه – بتحرير ذاته من أسر الجسم ويمزج قوة الحياة بالتيارات الشفافة الشافية في منطقة الدماغ الرئيسية وفي المحركات الفرعية الستة في العمود الفقري. وهكذا يقوم النائم لا شعورياً بالتزود ثانية بالطاقة الكونية التي تعيل الحياة بأسرها.
أما اليوغي فيقوم اختياريا بتطبيق عملية بسيطة وطبيعية – بصورة واعية – وليس بكيفية لا شعورية كما يفعل النائم البطيء الحركة. فالكريا يوغي (ممارس الكريا) يستخدم طريقته لإشباع خلايا جسمه وتغذيتها بالنور النقي غير القابل للانحلال ويحفظها في حالة مغنطة روحية. فهو يستعمل أسلوباً علميا لجعل التنفس غير ضروري، ولا يدخل أثناء ساعات التمرين الحالات السالبة للنوم وفقدان الشعور أو الموت.
إن انسياب نشاط الحياة – في البشر الخاضعين للخداع الكوني (مايا) أو القانون الطبيعي – يكون متجهاً نحو العالم الخارجي حيث تهدر التيارات الحيوية ويساء استخدامها في الحواس. لكن ممارسة الكريا تعكس هذا الانسياب بحيث يتم توجيه قوة الحياة عقلياً إلى العالم الباطني حيث تتحد مجددا مع القوى الفقرية الشفافة. وبهذا التعزيز للنشاط الحيوي يتجدد جسد اليوغي وخلايا دماغه بالإكسير الروحي.
البشر المدفوعون بالطبيعة وخطتها المقدسة لا غير – عن طريق التغذية الصحية الصحيحة وأشعة الشمس والأفكار المنسجمة – يبلغون المعرفة الذاتية في غضون مليون سنة.
الحاجة تمس إلى اثني عشر عاما من العيش الصحي الطبيعي لإحداث تنقية طفيفة في تركيب الدماغ، وإلى مليون دورة شمسية لتطهير الدماغ بكيفية تكفي لإظهار الوعي الكوني. ومع ذلك يستطيع الكريا يوغي – باستخدام علم روحي – من تحرير نفسه من ضرورة المراعاة الدقيقة الطويلة للقوانين الطبيعية.
وبفصل حبل التنفس الذي يربط النـَفـَس بالجسم تساعد الكريا على إطالة العمر وتوسيع الإدراك إلى اللانهاية. كما تساعد طريقة اليوغا على كسب المعركة المحتدمة بين العقل والحواس الخاضعة للمادة، وتحرر الممارس ليتمكن من استرداد فردوسه المفقود: مملكته الأزلية، فيدرك إذ ذاك أن طبيعته الحقة غير مرتبطة بالجسم المادي ولا بالتنفس: وهما العلامتان الظاهرتان للاستعباد البشري للهواء، إي للعناصر الطبيعية. وإذ يصبح اليوغي سيداً لجسمه وعقله فإنه يقهر في النهاية العدو الأخير: الموت.
سوف تقتاتُ على الموت الذي
يأكلُ الناسَ جميعا
فإذا ما الموت ماتَ
لن يموتَ أحدٌ من بعد ذاكَ!(9)
التأمل الذاتي أو (الجلوس في السكون) في محاولة لفصل العقل عنوة عن الحواس المرتبطة بالعقل عن طريق قوة الحياة هو أسلوب غير علمي. فالفكر المتأمل الذي يحاول العودة إلى الإلوهية ينجذب انجذاباً متواصلاً بفعل تيارات الحياة نحو الحواس. أما الكريا التي تضبط العقل مباشرة بواسطة قوة الحياة فهي أسهل الطرق العلمية وأكثرها فعالية في الاقتراب من اللانهائي. وعلى نقيض الطريق اللاهوتي البطيء كعربة الجر، وغير الموثوق من صحته فإن الكريا تستحق أن تسمى بحق "الطريق الجوي".
إن علم الكريا يرتكز على مراعاة حتمية لسائر التدريبات المتعلقة بالتركيز والتأمل. وتمكـّن اليوغا المريد من تحويل مجرى الحياة من وإلى الحواس الخمس: النظر والسمع والشم والذوق واللمس. وبإحراز قوة الفصل الحسي (فصل العقل عن الحواس) يسهل على اليوغي ربط عقله إرادياً بمناطق مقدسة أو بعالم المادة. وبذلك لا تفرض عليه قوة الحياة الرجوع اللاإرادي إلى المجال الدنيوي ذي الأحاسيس الصاخبة والأفكار القلقة.
إن حياة اليوغي المتقدم لا تتأثر بنتائج أعماله السابقة بل فقط بتوجيهات الروح. وهكذا يتخطى المريد ضرورة الارتباط بنتائج الأعمال الأنانية التطورية للحياة العادية، سواء كانت طيبة أم رديئة، لأنها بالنسبة له بطيئة كزحف القواقع مقارنة بتحليق النسور في الأجواء.
والطريقة السامية للحياة الروحية تحرر اليوغي فيشرع في تذوّق الهواء المنعش للحضور الإلهي لدى مغادرته سجنه الذاتي. وعلى نقيض ذلك فان الخضوع للعيش الطبيعي هو عبودية مقيدة تجعل التقدم ثقيلا ومهيناً. وإذ يسير الإنسان بموجب قانون التطور والنشوء لا غير لا يمكنه أن يتوقع من الطبيعة الإسراع في تقدمه الروحي. حتى ولو عاش بمراعاة دقيقة للقوانين التي تحكم جسمه وعقله – دون أن يخرق أياً منها – يظل مع ذلك يحتاج إلى مليون عام من التجسدات المختلفة لبلوغ التحرر النهائي.
أما طرق اليوغي التلسكوبية – التي تفصل نفسه عن الارتباطات المادية والعقلية لصالح روحه – فهي تلائم أولئك الأشخاص الذين ينظرون نظرة تمرد إلى الألف ألف عام. ويزيد رقم المليون هذا في حالة الشخص العادي الذي لا يتوافق مع الطبيعة ناهيك عن التوافق مع ذاته، بل يسعى بدلا من ذلك إلى خلق تعقيدات غير طبيعية فيؤذي – بجسمه وعقله – حكمة الطبيعة العذبة. إن مليوني سنة بالكاد تكفي لتحرر مثل هذا الشخص.
الشخص الخشن قلما أو نادراً ما يدرك أن جسمه هو عبارة عن مملكة يسوسها عاهل النفس المتربع على عرش الدماغ يساعده نواب في ستة مراكز أو مناطق فقرية للوعي. ويمتد سلطان هذه الحكومة الإلهية إلى حشد من الرعايا الطيعين عددهم سبعة وعشرون ألف مليار خلية موهوبة بذكاء آلي أكيد يساعدها على تأدية جميع واجباتها المتعلقة بالنمو الجسدي وكافة ضروب التحلل والتحول. وهناك أيضا خمسون مليوناً من الأفكار الأساسية والعواطف وتنوعات للأوجه المتعاقبة في وعي الإنسان الذي لا يزيد متوسط عمره عن ستين عاما.
إن أي تمرد ظاهر في الجسم أو العقل البشري ضد الروح، الذي يظهر كمرض أو مجافاة للمنطق، لا يعتبر خيانة من جانب الرعايا الأوفياء لعاهلهم (الروح) بل هو ناجم عن سوء استخدام الإنسان لحرية إرادته، سواء في الماضي أو الحاضر؛ تلك الحرية التي مُنحت له كجزء لا يتجزأ من روحه، وهي هبة إلهية لا تـُؤخذ منه أبدا.
وإذ يربط الإنسان نفسه مع ذات ضحلة فيعتبر – كتحصيل حاصل – أنه هو الذي يفكر ويرغب ويحس ويهضم طعامه ويبقي نفسه على قيد الحياة، ولا يعترف عن طريق التفكـّر (والقليل منه يكفي!) أنه في حياته العادية لا يتعدى كونه ألعوبة بين يدي أفعاله السابقة ونتائجها (الكارما) وبين الطبيعة أو البيئة. وردود الفعل الخاصة بكل إنسان، من عقلية وشعورية، ومن طباع وعادات هي مجرد نتائج لأفعال ماضية، سواء في هذه الحياة أو في حياة سابقة. ولكن نفسه ذات الجوهر الإلهي تعلو فوق كل هذه المؤثرات والإعتبارات. والكريا يوغي إذ يستخف بالحقائق والحريات الآنية يتخطى جميع الأوهام والآمال الكاذبة ويتوصل إلى كيانه المتحرر من القيود. وتصرّح أسفار العالم المقدسة أن الإنسان ليس جسماً فانياً بل نفس حية. والكريا تعطينا الطريقة لإثبات هذا التأكيد الوارد في الكتب السماوية.
وكتب شنكرا في كتابه المشهور (قرنٌ من الشعر Century of Verses) ما يلي:
"الطقوس الخارجية لا قدرة لها على تبديد الجهل لأنهما ليسا نقيضين، بل المعرفة الفعلية هي التي تبدد الجهل. ولا تأتي المعرفة بوسيلة أخرى سوى بسؤال الإنسان نفسه: من أنا؟ كيف أتى هذا الكون إلى الوجود؟ ومن هو خالقه؟ وما سببه المادي؟ وهذا هو نمط التساؤل المشار إليه." وبما أن العقل لا يملك الأجوبة على هذه الأسئلة فقد قام الحكماء بتطوير اليوغا كطريقة للبحث الروحي. واليوغي الصادق إذ يفصل عقله وإرادته وشعوره عن التوحد المغلوط مع رغبات الجسد، ويربط عقله بقوى الإدراك السامي في المراكز الفقرية، فإنه يعيش في هذا العالم بحسب الخطة الإلهية؛ غير مدفوع بأهواء الماضي أو بالغباء البشري للرغبات الجديدة. وإذ يحصل على تحقيق رغبته العظمى فإنه ينعم مطمئناً في ملاذ الروح الإلهي الذي لا حد ولا انتهاء لنعيمه وأنعامه.
وفي إشارة إلى اليوغا كطريقة أكيدة وفعالة، يمتدح كريشنا اليوغيَ بهذه الكلمات:
"إن اليوغي يفوق النساك المهتمين بتدريب أجسامهم، ويفوق أتباع طريق الحكمة أو طريق العمل. فلتكن يا تلميذي أرجونا يوغيا؟(10)
مذكرات يوغي: السيرة الذاتية
للمعلم برمهنسا يوغانندا
ترجمة حديثة منقحة: محمود عباس مسعود
حواشي الفصل 26 Footnotes for Chapter 26
(1) مانو هو واضع كتب (مانافا دهارما شاسترا) أو قوانين مانو التي لا تزال إلى اليوم مرجعا للقانون العام المعمول فيه في الهند.
(2) يحدد الهنود سنة 3102 قبل الميلاد كبداية للعصور المادية. وهي بداية العصر البرونزي الهابط للدورة الإعتدالية، وأيضا بداية العصر المظلم (كالي يوغا) للدورة الكونية. (راجع الفصل السادس عشر). ويعتقد علماء الأنثروبولوجي أن البشر من عشرة آلاف سنة كانوا غارقين في عصر همجي حجري. ويعتبرون كخرافات جميع السجلات والتقاليد للمدنيات القديمة في كل من ليموريا وأطلنطا والهند والصين واليابان ومصر والمكسيك وبلاد أخرى عديدة.
(3) حكم بتانجالي 1: 2 باستعمال كلمتي كريا يوغا كان بتانجالي يشير إما إلى الفن الفعلي الذي لقنه باباجي أو إلى فن آخر قريب الشبه به. أما كونه فن دقيق لضبط الحياة فهذا ثابت من أحد أقوال بتانجالي 49: 2 الوارد ذكره في ما بعد.
(4) المرجع السابق 27: 1
(5) "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. . . كل شيء به كان (الكلمة أو أوم) وبغيره لم يكن شيء مما كان. " يوحنا 1-3: 1. وأوم الواردة في الفيدات أصبحت كلمة التبتيين المقدسة (هوم) وكلمة آمين المصريين والإغريق والرومانيين واليهود والمسيحيين والمسلمين (التي تعني: أكيد، صادق).
(6) "هذا يقوله الآمين، الشاهد الأمين الصادق بداية خليقة الله" رؤيا 14:3
(7) حكم بتانجالي 2: 49
(8) كورنثوس الأولى 31: 15. "ابتهاجنا" هي الترجمة الصحيحة وليست "افتخاركم" التي تذكر عادة. وقد كان القديس بولس يشير إلى عالمية وعي المسيح.
(9) شكسبير: النشيد (سوناتة) رقم 146.
(10) بهاغافاد غيتا 46: 4. شرع العلم الحديث يقف على الآثار الشافية والمجددة للجسم والعقل بفعل وقف التنفس. وقد أنشأ الدكتور ألفن أل. باراش بكلية الأطباء والجراحين في نيويورك عيادة محليةً لإراحة الرئتين. وقد تمكن من إعادة الصحة للكثير من المرضى المصابين بالسل الرئوي عن طريق استخدام غرف ذات ضغط جوي معدّل بحيث تمكـّن المريض من إيقاف تنفسه. وقد اقتبست صحيفة (نيويورك تايمز) في أول فبراير سنة 1947 المقال التالي من حديث للدكتور باراش:
"إن تأثير وقف التنفس على الجهاز العصبي الأوسط هو عظيم الفائدة، إذ يقلل بشكل واضح الرغبة في تحريك العضلات الاختيارية في الأطراف. ويستطيع المريض أن يرقد في الحجرة لساعات طويلة دون تحريك يديه أو تغيير موضعه. وتنعدم رغبة التدخين حينما يقف التنفس الاختياري، حتى عند أولئك الذين اعتادوا تدخين علبتين من السجائر يوميا. وفي كثير من الحالات يجعل الاسترخاء المريضَ في غير حاجة إلى ضروب التسلية."
وفي سنة 1951 أيد الدكتور باراش علنا قيمة هذا العلاج الذي قال عنه: "إنه لا يريح الرئتين وحسب بل البدن بأكمله والعقل أيضا على ما يبدو، ويقلل مجهود القلب بمعدل الثلث، ويوقف القلق عند مرضانا فلا يشعرون بالضجر."
ومن هذه الحقائق يبدأ المرء بفهم الكيفية التي يمكن لليوغيين بواسطتها الجلوس دون حراك لأوقات طويلة دون دافع عقلي أو جسدي نحو القيام بنشاط قلق (أي الإتيان بأي حركة جسدية أو فكرية). وفقط بهذا القدر من السكينة تعثر النفس على طريقها إلى الله. ومع أن الأشخاص العاديين يحتم عليهم البقاء في غرف ذات ضغط معدّل بغية الحصول على فوائد معينة من عدم التنفس، لكن اليوغي لا يحتاج إلا لتمرين الكريا يوغا لجني الفوائد النافعة لجسمه وعقله وإدراكه الروحي.
لقراءة المزيد من الموضوعات رجاء النقر على Older Posts أو Newer Posts أسفل الصفحة

No comments:

Post a Comment