Sunday, July 3, 2011

سري يوكتسوار: نجاح روحي



نجاح روحي بامتياز

"إنك تغفل مقررات الفلسفة في كتبك المدرسية. وعلى ما يبدو أنك تعتمد على "بصيرة" تساعدك على اجتياز الامتحانات دون بذل المجهود اللازم. ولكن ما لم تدرس بكيفية عملية وفعالة فسأتأكد بنفسي من رسوبك في هذه المادة."

خاطبني بهذه الكلمات الصارمة البروفسور جوشال الأستاذ بكلية سيرامبور (الهند). فرسوبي في امتحانه التحريري الأخير يعني عدم تمكني من حضور الامتحانات النهائية لجامعة كلكتا التي كانت قد ضمّت كلية سيرامبور إليها كأحد فروعها. والقاعدة المعمول بها في الجامعات الهندية تقضي بأن الطالب الذي يسقط في إحدى مواد الامتحانات النهائية لفرع الآداب يتعين عليه إعادة السنة التالية في جميع المواد.

وقد اعتاد أساتذتي في سيرامبور أن يعاملوني بلطف وببعض الدعابة بقولهم: "إن موكندا (برمهنسا) ثمل أكثر من اللزوم بالروحيات." وهكذا كانوا يجنبونني الإحراج في محاولة الإجابة على الأسئلة في الفصول الدراسية، إذ كانوا واثقين من أن الامتحانات التحريرية النهائية كفيلة بشطب إسمي من لائحة المتقدمين للبكالوريوس. أما انطباع زملائي الطلبة عني فكان يتلخص في إطلاقهم عليّ لقب "الناسك المجذوب."

وقمت بخطوة ذكية لإحباط تهديد البروفسور جوشال لي بالرسوب في مادة الفلسفة، إذ قبيل إعلان النتائج النهائية طلبت من أحد زملائي مرافقتي إلى مكتب الأستاذ قائلا:

"تعال معي فإنني أريد شاهداً، وسيخيب ظني إن لم أكن قد تغلبت فعلا على الأستاذ."

هزّ البروفسور رأسه بعد أن سألته عن الدرجة التي أعطاها لإجاباتي، وقال بنغمة الواثق المنتصر وهو يفتش في كومة الأوراق الكبيرة فوق مكتبه: "لستَ من الناجحين، فورقتك ليست بين الأوراق. وعلى أية حال فقد رسبت بسبب عدم حضورك الامتحانات."

ابتسمت وقلت:

"سيدي لقد حضرت الإمتحانات، فهل تسمح لي في البحث عن ورقتي بنفسي؟"

أذن لي البروفسور بارتباك، وسرعان ما أخرجت ورقتي التي كنت قد حذفت منها بعناية كل ما ينبئ عن هويتي باستثناء الرقم السري. وإذ لم يتنبّه الأستاذ لاسمي فقد أعطى درجة عالية لإجاباتي، مع أنها كانت خالية من محتويات الكتب المدرسية!

ما أن أدرك حيلتي حتى صاح قائلا: "تباً للحظ الوقح!" ثم أضاف مؤمّلاً: "لا بد أن ترسب في الامتحانات النهائية."

أما بالنسبة للامتحانات في المواد الأخرى فقد حصلت على بعض المساعدة، بصورة خاصة من ابن عمي وصديقي العزيز براباس. وقد ترنحت بألم ولكن بظفر في باقي الامتحانات النهائية وحصلت على الحد الأدنى للنجاح.

والآن وبعد أربع سنوات من الدراسة في الكلية أصبحت مؤهلاً للجلوس لامتحانات البكالوريوس، غير أنني بالكاد توقعت هذا الامتياز. فالامتحانات النهائية لكلية سيرامبور كانت سهلة للغاية مقارنة بالامتحانات الصارمة لجامعة كلكتا التي ينبغي اجتيازها للحصول على الدرجة الجامعية. وفي الواقع لم تترك لي زياراتي اليومية لمعلمي سري يوكتسوار متسعاً من الوقت للظهور في القاعات الجامعة. وقد كان حضوري يثير دهشة زملائي أكثر من غيابي!

وكان الروتين الذي اتبعته يومياً تقريباً هو ركوب دراجتي حوالي التاسعة والنصف صباحاُ والتوجه إلى صومعة معلمي، حاملاً في يدي تقدمة لسري يوكتسوار: بضع زهرات من حديقة النزل (بيت الطلبة). وكان معلمي يحييني ببشاشة ويدعوني للغداء فأقبل دعوته بسرور بالغ لأتخلص من التفكير بالجامعة والمقررات الدراسية. وبعد ساعات مع سري يوكتسوار والإصغاء إلى فيض حكمته النادرة أو القيام بواجبات المنسك، كنت أرتحل على مضض حوالي منتصف الليل عائداً إلى مقري. وأحياناً كنت أقضي الليل بطوله مع معلمي مستغرقاً بسرور في أحاديثه النيّرة، ونادراً ما كنت ألحظ تبدّل عتمة الليل إلى نور الفجر.

وحوالي الساعة الحادية عشرة من إحدى الليالي، عندما كنت على وشك مغادرة الصومعة، سألني المعلم بجدية:

"متى تبدأ امتحانات البكالوريوس؟"

أجبته: "بعد خمسة أيام من الآن يا سيدي."

قال: "أرجو أن تكون مستعداً لها."

وشعرت بجزع وهلع شديدين، فقلت محتجاً:

"سيدي، إنك تعلم جيداً أن أيامي قضيتها معك لا مع أساتذة الجامعة، فكيف يمكنني تعريض نفسي لمهزلة حضور الامتحانات النهائية الصعبة؟"

فرمقني سري يوكتسوار بنظرة حادة وقال بفتور ولكن بحزم: "بل يجب أن تحضر الامتحانات كي لا نعطي أباك والآخرين فرصة لانتقادك بسبب تفضيل حياة الصومعة على الجامعة. عِدني بأن تحضر الامتحانات وأن تبذل قصارى جهدك في الإجابة على الأسئلة."

وانهمرت على وجهي دموعي التي لم أتمكن من حبسها، وشعرت أن طلب المعلم لم يكن منطقياً وأن اهتمامه جاء متأخراً. فقلت في غمرة من التنهد والبكاء:

"سوف أحضر إن كانت هذه هي إرادتك، ولكن لم يبق ما يكفي من الوقت للتحضير الصحيح." وأضفت بيني وبين نفسي: " سأملأ الصفحات بتعاليمك إجابة على الأسئلة!"

وحينما دخلت المنسك كالمعتاد في اليوم التالي قدمت باقة الورد بوقار واكتئاب، وقد ضحك سري يوكتسوار من حالتي التعيسة وقال:

"هل حدث وأن خيّب الله رجاءك في امتحان أو في أي أمر آخر؟"

فأجبته بحماس وقد ومضت في ذهني ذكريات سارة عن العون الإلهي: "لا والله يا سيدي."

فاستطرد المعلم: "ليس الكسل بل الشوق الإلهي المتأجج هو الذي صدك عن طلب الشرف الجامعي."

وبعد برهة من الصمت استشهد قائلا: (من توكل على الله كفاه.) "اطلبوا أولاً ملكوت الله ومشيئته، فيزيدكم الله من نعمه ويزودكم بكل ما تحتاجونه".

وأحسست بثقل الهم ينزاح عن كاهلي في حضرة المعلم. وعندما انتهينا من تناول غدائنا المبكر اقترح عليّ المعلم العودة إلى النزل قائلا:

"هل ما زال صديقك روميش يقيم في النزل؟"

قلت: "نعم يا سيدي."

قال: "اتصل به وسوف يلهمه الله كي يساعدك في الامتحانات."

أجبت: "سأفعل يا سيدي، ولكن روميش منهمك بكيفية غير عادية. فهو طالب الشرف في مجموعتنا ويحمل عبئاً دراسياً أثقل مما يحمله سواه من الطلبة."

لم يلق المعلم بالاً لاعتراضي بل قال: "سيجد روميش وقتاً من أجلك. انطلق الآن على بركة الله."

ركبت دراجتي وقفلت راجعاً. وكان شيخ الطلاب روميش أول من قابلته في فناء النزل. وكما لو كان لديه الوقت الكافي لمساعدتي فقد قبل التماسي عن طيب خاطر قائلا:

"ابشر يا موكندا، فأنا في خدمتك."

وصرفَ ساعات عديدة بعد ظهر ذلك اليوم وفي الأيام التالية في تدريبي على المواد المختلفة، ثم نصحني قائلا:

"أعتقد أن أسئلة عديدة في الأدب الإنكليزي ستكون هذه السنة حول تشايلد هارولد، وينبغي أن نحصل على أطلس فوراً."

انطلقت مسرعاً إلى بيت عمي واستعرت أطلساً حيث قام روميش بالتأشير في خريطة أوروبا على الأماكن التي زارها رحّالة بايرون الرومانسي.

والتف حولنا فريق من الزملاء للإنصات إلى الدرس، وقد علـّق أحدهم أخيراً بقوله:

"إن روميش ينصحك خطأ، لأن 50% فقط من الأسئلة تدور عادة حول الكتب، ويكون النصف الآخر منها عن حياة المؤلفين."

ولكن حينما جلست في اليوم التالي لامتحان الأدب الإنكليزي وألقيت النظرة الأولى على ورقة الأسئلة انهمرت دموع الشكر من عينيّ وبللت الورقة. وقد اقترب مني مراقب الفصل واستعلم بتعاطف عن السبب، فأجبته موضحاً:

"لقد تنبأ معلمي العظيم بأن روميش قادر على مساعدتي. أنظر، فالأسئلة التي اقترحها عليّ روميش هي نفسها الواردة في ورقة الامتحان. ولحسن حظي فالأسئلة قليلة هذا العام عن المؤلفين الإنكليز الذين تعتبر حياتهم بالنسبة لي سراً مغلقاً!"

وعند عودتي علا الضجيج في النزل، ونفس الشباب الذين سخروا من طريقة روميش كادت الآن تهانيهم تصم أذني. وصرفت خلال أسبوع الامتحانات ساعات طويلة مع روميش الذي كان يصوغ الأسئلة التي يحتمل أن يضعها الأساتذة. ويوماً بعد يوم ظهرت أسئلة روميش بنفس الكلمات تقريباً في أوراق الامتحانات.

وانتشر النبأ في الجامعة على نطاق واسع بأن شيئاً يشبه المعجزة يحدث فيها، وبأن نجاح "الناسك المجذوب" الشارد الذهن أصبح محتملا. ولم أحاول إخفاء حقيقة الأمر، وعجز الأساتذة المحليون عن تغيير الأسئلة التي وضعتها جامعة كلكتا.

وعندما فكرت ملياً في امتحان الأدب الإنكليزي تحققت ذات صباح أنني ارتكبت خطأ جسيماً. فأحد الأسئلة كان ذا شقين: (أ) أو (ب) و (ج) أو (د). وبدلاً من الإجابة على سؤال واحد من كل شق فقد أجبت عن السؤالين في الشق الأول، دون أن ألقي بالاً للشق الثاني. ولما كانت أقصى علامة يمكن أن أحصل عليها في تلك الورقة هي 33 التي تقل 3 علامات عن أدنى درجات النجاح وهي 36، فقد هرولت إلى المعلم أندب حظي العاثر أمامه، قائلا:

"يا سيدي، لقد ارتكبت خطأ لا يُغتفر، ولست جديراً بالنعم الإلهية التي أتتني عن طريق روميش."

فأجابني المعلم: "اطمئن يا موكندا ولينشرح صدرك."

وكانت نغمة سري يوكتسوار مرحة وخالية من القلق. ثم رفع يده نحو السماء وقال: "إن تبادُل الشمس والقمر لمساريهما في الفضاء هو أكثر احتمالاً من عدم حصولك على شهادتك الجامعية."

غادرت المنسك أكثر اطمئناناً، مع أن النجاح بدا لي مستحيلاً من الناحية الحسابية. وقد تطلعت بتوجس أكثر من مرة صوب السماء فرأيت سيدة النهار مستقرة بثبات في مدارها المعتاد!

وعندما وصلت النزل سمعت أحد الزملاء يقول: "لقد بلغني فوراً أن درجة النجاح في الأدب الإنكليزي قد تم تخفيضها للمرة الأولى هذا العام."

دخلت مسرعاً، في حالة اهتياج إلى حجرة الشاب واستوضحت حقيقة الأمر بانفعال كبير. فتفحصني وأجابني ضاحكاً:

"يا أبا الشعر الطويل، لمَ كل هذا الاهتمام المفاجئ بالشؤون الدراسية؟ ولمَ كل هذا الانفعال في اللحظة الأخيرة؟ ومع ذلك فقد خـُفضت درجة النجاح فعلاً إلى 33 فقط."

ونقلتني قفزات سارة إلى حجرتي حيث جثوت على ركبتيّ وشكرت الله على حسابه الكامل وفضله الشامل. وشعرت بقوة روحية توجهني بجلاء عن طريق روميش. وقد حدثت مصادفة هامة بالنسبة لامتحان البنغالية. فروميش الذي لم يساعدني بتلك المادة طلب مني العودة ذات صباح حينما كنت على وشك مغادرة النزل إلى قاعة الامتحان.

وصاح بي أحد زملائي: "إن روميش يناديك، لا تعد وإلا تأخرنا."

تجاهلت نصيحة ذلك الزميل وهرولت عائداً إلى حيث روميش الذي أخبرني قائلا:

"إن امتحان البنغالية عادة ما يجتازه الطلبة البنغاليون بسهولة، لكن خطر في بالي أن الأساتذة هذا العام ينوون (ذبح) الطلبة بأسئلة من الكتب المقررة." ثم شرح لي صديقي في إيجاز حادثتين من حياة بحر العلوم فيديا ساغر المحسن الإنساني الكبير الذائع الصيت في القرن التاسع عشر.

شكرت روميش وانطلقت بدراجتي إلى فناء الكلية، وقد جاءت ورقة الامتحان في البنغالية مطابقة لقوله، إذ احتوت على قسمين كان أولهما: "اذكر حادثتين اثنتين من أعمال الخير المنسوبة إلى بحر العلوم فيديا ساغر. " وإذ نقلت إلى الورقة المعرفة الجديدة التي حصلت عليها (عن طريق روميش) فقد حمدت الله على إصغائي له في اللحظة الأخيرة. فلو بقيت جاهلاً بإحسان بحر العلوم للبشر (وأنا الآن من بينهم طبعا!) لما تمكنت من اجتياز الامتحان بالبنغالية.

أما السؤال الثاني من الورقة فكان كالآتي: "اكتب مقالا بالبنغالية عن حياة الشخص الذي ألهمك أكثر من سواه." ولست في حاجة أن أخبرك أيها القارئ الكريم عن هوية الرجل الذي اخترته لموضوعي. فإذ ملأت الصفحة تلو الأخرى بالثناء على معلمي ابتسمت لتحقق قولي عندما أكدت لنفسي: "سأملأ الصفحات بتعاليمك!"

لم أشعر بالحاجة لطلب المساعدة من روميش في مادة الفلسفة. فإذ كنت أثق بتدريبي الطويل على يدي سري يوكتسوار فقد تركت جانباً – باطمئنان – شروح الكتب المدرسية، وكانت درجة الفلسفة أعلى الدرجات التي أعطيت لأوراقي. أما مجموع ما حصلته في باقي المواد الأخرى فكان كافياً للحصول على درجة النجاح.

ومن دواعي السرور أن أذكر هنا أن صديقي الكريم روميش فاز في الامتحان بامتياز.

وغمرت الابتسامات وجه والدي لتخرجي، وقال معترفاً: "بالكاد كنت أتصور نجاحك يا بني. فأنت تصرف الكثير من الوقت مع معلمك." وبالفعل كان معلمي على دراية بانتقاد أبي الذي لم يجاهر به.

ولسنوات عديدة كنت أشك في قدوم اليوم الذي سأضيف فيه إلى اسمي لقب البكالوريوس. وقلما استعملت هذا اللقب دون التفكير بأنه كان هبة مقدسة مُنحت لي لأسباب غامضة. وأحياناً أسمع خريجي الجامعات يقولون أن قسطاً ضئيلا مما حصّلوه من معلومات بقي معهم بعد التخرج. وهذا الاعتراف من جانبهم يعزيني أيضاً بسبب قصوري الأكاديمي الذي لا ريب فيه.

في ذلك اليوم من شهر يونيو/حزيران 1914 الذي حصلت فيه على شهادتي من جامعة كلكتا انحنيت أمام معلمي لأشكره على البركات التي فاضت من حياته وغمر بها ذاتي، فأنهضني مداعبا وقال:

"انهض يا موكندا. لقد وجد الله أنه من الأسهل له أن يجعلك خريجا جامعيا من أن يعيد من جديد تنظيم مسار الشمس والقمر!"

مذكرات يوغي: السيرة الذاتية Autobiography of a Yogi

بقلم برمهنسا يوغانندا

ترجمة جديدة منقحة: محمود عباس مسعود

www.swaidayoga.com

لقراءة المزيد من الموضوعات رجاء النقر على Older Post أو Newer Post أسفل الصفحة

No comments:

Post a Comment