Sunday, July 3, 2011

سري يوكتسوار - سنوات في صومعته


سنوات مع المعلم

"ها قد عدتَ."

بهذه العبارة رحب بي معلمي سري يوكتسوار وهو يجلس على جلد نمر في الطابق الذي فيه غرفة الجلوس ذات الشرفات. وقد كان صوته باردا وأسلوبه غير عاطفي.

ركعت ولمست قدميه احتراما وقلت: "نعم يا سيدي العزيز، فقد جئت لأتبعك."

قال: "كيف يمكن ذلك وأنت تتجاهل رغباتي؟"

قلت: "لن يحدث ذلك ثانية يا سيدي. فرغبتك ستكون دستوري."

أجاب: "هذا أفضل! فالآن أستطيع أن أتولى مسؤولية حياتك."

قلت: "إنني أنقل العبء إليك عن طيب خاطر يا معلم."

أجاب: "طلبي الأول إذاً هو أن تعود إلى أسرتك. أريدك الالتحاق بالكلية في كلكتا، فتعليمك يجب أن يستمر."

قلت: "حسنا يا سيدي." وقد أخفيت فزعي وانزعاجي. فهل قـُدّر للكتب المقلقة أن تتعقبني طوال السنين؟ أرغمني عليها والدي من قبل وها هو سري يوكتسوار الآن يفعل نفس الشيء!

قال: "يوماً ما ستذهب إلى الغرب حيث سيكون الغربيون أكثر تقبلا لحكمة الهند القديمة إذا كان المعلم الهندي الغريب حاصلا على درجة جامعية."

قلت: "أنت سيد العارفين يا معلمي."

تبددت كآبتي ووجدت الإشارة إلى الغرب محيّرة وبعيدة، لكني شعرت برغبة ملحة وحيوية لإرضاء المعلم بالامتثال لرغبته.

قال: "ستكون قريباً مني في كلكتا. تعال إلى هنا كلما وجدت لديك متسعاً من الوقت."

قلت: "كل يوم إن أمكن يا سيدي! وأنا أقبل بامتنان وعن طيب خاطر سلطتك في جميع تفاصيل حياتي بشرط واحد."

قال: "وما هو؟"

قلت: "أن تعدني بالكشف لي عن الله."

أعقب ذلك ساعة كاملة من الحوار الجاد لأن وعد المعلم العارف بالله لا يقبل التزييف، ولا هو بالشيء الذي يمكن إعطاؤه بسهولة. ومضامين هذا التعهد تفتح آفاقا روحية واسعة. والمعلم الروحي يجب يكون على توافق تام مع الله قبل أن يتمكن من إقناعه بالظهور! وقد أحسست بالاتحاد المقدس لسري يوكتسوار مع الله، وكتلميذ له فقد صممت على اغتنام فرصتي وتحقيق مبتغاي.

أخيرا أعلن المعلم عن موافقته الرحيمة عندما قال: "إنك ذو مزاج متطلب، فلتصبح رغبتك رغبتي."

وتلاشى من قلبي على الفور ظل كثيف لازمني لسنين طويلة، وانقضى البحث الغامض هنا وهناك، فقد وجدت ملاذا أبديا في حضرة معلم صادق أمين.

ونهض المعلم عن البساط المصنوع من جلد النمر وقال: "تعال لأريك الصومعة."

وإذ تلفـّتُ حولي وقع نظري على صورة معلقة بالجدار، محاطة بإكليل من زهر الياسمين، فقلت مندهشاً: "لاهيري مهاسيا!"

واهتز صوت سري يوكتسوار بالخشوع والاحترام وهو يقول: "نعم، إنه معلمي الأقدس. لقد كان – كإنسان ويوغي – أعظم من أي شخص آخر تعرفت عليه ودرست حياته دراسة دقيقة ومستفيضة."

انحنيت بصمت أمام الصورة المألوفة فتدفقت تيارات الإجلال والولاء من روحي للمعلم النادر المثال الذي بارك طفولتي المبكرة ووجّه خطواتي حتى هذه الساعة.

تجولت مع معلمي في أنحاء الصومعة. وقد كانت كبيرة، عتيقة، ومتينة البناء يحيط بها فناء ذو أعمدة ضخمة، وقد غطى الطحلب جدرانها الخارجية. وكانت الحمائم ترفرف فوق السطح الرمادي المنبسط، مستمتعة بوجودها في أركان المنسك. أما الحديقة الخلفية فكانت تزخر بشجر الخبز (جاكفروت) والمانغو والموز. كان المنسك مؤلفا من طابقين وحجراته العليا لها شرفات بدرابزين، تطل على الفناء من ثلاث جهات. وكان هناك بهو أرضي فسيح ذو سقف مرتفع يرتكز على أعمدة، ويستخدم كما قال المعلم للإحتفال بالأعياد الدينية، في حين كان هناك سلم ضيق يفضي إلى حجرة سري يوكتسوار المطلة على الشارع. وكان أثاث المنسك بسيطاً، وكل شيء فيه نظيفاً وعملياً، في حين بدت هنا وهناك مقاعد وكراسٍ من الطراز الغربي.

دعاني معلمي إلى قضاء الليلة، وقام طالبان صغيران- كانا يتلقيان تدريب المنسك – بتقديم وجبة العشاء من الخضار المبهّرة بالكاري.

بعد العشاء جلست فوق حصيرة من القش على مقربة من بساط المعلم المصنوع من جلد نمر، وقد بدت النجوم الودية قريبة جدا منا، فقلت له:

"سيدي، أرجو أن تخبرني شيئا عن حياتك."

فأجابني: "كان اسم أسرتي بريانات كارار. لقد ولدت هنا في مدينة سيرامبور، وكان أبي من رجال الأعمال الأثرياء، ترك لي هذه الدار الكبيرة وهي الآن صومعتي. أما تعليمي المدرسي فقد كان يسيرا ووجدته بطيئاً وسطحيا. وفي مستهل شبابي أصبحت رب أسرة ورزقت بابنة متزوجة الآن. وفي منتصف العمر تباركت بتلقي الإرشاد الروحي من لاهيري مهاسيا. وبعد وفاة زوجتي التحقت بسلك السوامي وحصلت على اسمي الجديد سري يوكتسوار جيري. وهذا هو موجز تاريخ حياتي."

وابتسم المعلم لعلامات اللهفة التي ارتسمت على وجهي. وكسائر ترجمات العظماء فقد أوجزت عباراته الوقائع الظاهرية دون الكشف عن الإنسان الباطني، فقلت:

"سيدي، أود سماع بعض قصص طفولتك."

والتمعت عينا سري يوكتسوار وهو يقول منبهاً:

"سأروي لك بعض القصص، ولكل واحدة منها عِبرة! حاولت أمي في أحد الأيام أن تخيفني بقصة مروعة عن وجود شبح مخيف في إحدى الغرف المظلمة، فتوجهت على الفور إلى تلك الغرفة وأبديت خيبة أملي لعدم عثوري على الشبح! العِبرة: عندما تجابه الخوف يكف عن مضايقتك.

"وهناك ذكرى أخرى من ذكريات الطفولة وهي رغبتي في الحصول كل كلب قبيح كان لأحد الجيران. ولعدة أسابيع أبقيت بيت أهلي في حالة من الفوضى والهيجان من أجل ذلك الكلب، ولم أرض بالعروض المقدمة لي لاقتناء حيوانات أخرى – بدل الكلب – أكثر جمالا وظرفا. العِبرة: التعلق يعمي لأنه يضفي جاذبية وهمية على غرض الرغبة.

"أما القصة الثالثة فتتعلق بمرونة العقل الفتي، إذ كنت أسمع أمي تردد بين الحين والآخر: إن من يقبل عملا تحت أي إنسان هو عبد. وقد انطبعت تلك الملاحظة بكيفية لا تمحى على صفحة عقلي بحيث أنني رفضت كل الوظائف بعد زواجي. وقد تمكنت من الوفاء بمتطلبات العيش باستثمار ما ورثته عن أهلي في المتاجرة بالأرض والعقار. العِبرة: الإيحاءات الطيبة يجب إلقاؤها على مسامع الأطفال الحساسة. فالأفكار الأولية تـُحفر وتـُحفظ لأمد طويل في عقل الطفل."

واستغرق معلمي في سكون هادئ، وحول منتصف الليل قادني إلى سرير صغير حيث استمتعت بالنوم العذب في الليلة الأولى التي قضيتها تحت سقفه.

واختار سري يوكتسوار صباح اليوم التالي ليكرسني في الكريا يوغا. وكنت قد حصلت على هذه الطريقة قبلا من اثنين من تلاميذ لاهيري مهاسيا هما والدي وأستاذي سوامي كيبالانندا. لكن معلمي امتلك قوة تحويلية، إذ لمجرد لمسته أضاء نور عظيم على كياني كتوهج شموس لا حصر لها تسطع معا. وقد غمر فيض النشوة الطوباوية الذي يفوق الوصف روحيَ وتغلغل إلى أعماقي، ولازمني حتى اليوم التالي.

ولم أتمكن من مغادرة الصومعة حتى ساعة متأخرة من عصر ذلك اليوم، وقد تعجبت لتحقيق نبوءة معلمي عندما قال لي: " ستعود (إلى بيتك) بعد ثلاثين يوما." وحين دخلت باب منزلنا في كلكتا لم يلمّح أحد من أهلي إلى ما كنت أخشاه عن عودة "الطائر المحلق."

وصعدت إلى غرفتي العليا الصغيرة وألقيت عليها نظرات مودة كما لو كنت أنظر إلى كائن حي، وقلت مخاطبا: "لقد شاهدتِ أيتها العليّة تأملاتي ودموع وعواصف بحثي الروحي، وها أنا قد بلغت مرفأ معلمي الأقدس."

جلست مع والدي في هدوء المساء فقال لي: "يا ابني إنني سعيد لأجلك ولأجلي أنا أيضا. فأنت قد عثرت على مرشدك بنفس الكيفية المعجزة التي عثرت بها أنا على مرشدي، فلا بد أن يد لاهيري مهاسيا الطاهرة تحرس حياتنا" إذ ظهر أن معلمك ليس من قديسي الهملايا الذين يتعذر الوصول إليهم، بل هو قريب المنال. لقد أجيبت توسلاتي، ففي بحثك عن الله لم تبتعد عن أنظاري."

وقد سُر أبي أيضاً لاستئنافي دراساتي الجامعية، وقام بعمل الترتيبات اللازمة. وفي اليوم التالي سجلت إسمي في الكلية الاسكتلندية بكلكتا.

انقضت بسرعة شهور سعيدة، ولم يكن يخفى على زملائي عدم حضوري إلى الكلية، فإغراء الصومعة لم يكن من السهل مقاومته . وقد قبِل معلمي حضوري الدائم دون تعليق. ولسروري فأنه نادراً ما أشار إلى سير الدراسة في الكلية. ومع أن الكل كان يعلم جيدا بأنني لن أصبح أكاديميا متميزاً غير أنني تمكنت بين الحين والآخر من الحصول على الحد الأدنى لدرجات النجاح.

وسارت الحياة اليومية في الصومعة بهدوء، دون تغيير كبير. فمعلمي كان يستيقظ قبل الفجر ويدخل حالة الصمادي (النشوة الروحية) إما مستلقياً على ظهره أو مستوياً في سريره. وكان من السهل جدا معرفة وقت استيقاظه، إذ كان يتوقف فجأة عن الشخير العالي، يتبع ذلك تنهدة أو اثنتان مع حركة جسدية أحيانا، ثم حالة من عدم التنفس، وإذ به يبحر في الفرح اليوغي العميق.

ولم يكن طعام الإفطار يُقدّم لنا إلا بعد المشي لمسافة طويلة على ضفة نهر الغانج. وكم هي حقيقية وجلية تلك المشاوير الصباحية مع معلمي! وكلما استعدت ذكرى تلك الأيام أجد نفسي أحيانا بقربه حيث أشعة الشمس تدفئ النهر ويرن في مسمعي صوته الغني بصدق الحكمة وأصالتها.

بعد الاستحمام كنا نتناول وجبة منتصف النهار التي كان تحضيرها موكولا – بحسب إرشادات المعلم اليومية – إلى التلامذة الصغار. كان معلمي نباتيا مع أنه أكل البيض والسمك قبل التحاقه بسلك السوامي. وكان ينصح التلاميذ بأن يتبعوا أي غذاء بسيط ملائم لصحتهم ولأجسادهم. كان المعلم يأكل قليلاً، وطعامه غالبا كان يشتمل على الأرز المصبوغ بالكركم أو عصير الشمندر، أو السبانخ مع سمن البقر أو الزبدة. وفي يوم آخر قد يتناول حساء العدس المجروش والمطبوخ مع البطاطا والخضر ومكعبات الجبن المصنوع من الحليب الطازج. أما الحلوى فكانت ثمار المانغو أو البرتقال أو عصير الفاكهة أو الأرز المطبوخ بالحليب والسكر.

كان الزائرون يأتون عند العصر في سيل متواصل، التماسا لسكينة الصومعة. وكان المعلم يعامل الجميع معاملة ودية ولطيفة، لأن المعلم الذي أدرك أنه روح كلي وليس جسدا أو شخصية عابرة، يبصر في كل البشر تماثلا لافتا للنظر.

وإنصاف القديسين متأصل في الحكمة، فهم قد تحرروا من ضروب الوهم المتعاقبة ومن تأثير الأهواء الشخصية التي تبلبل تفكير غير المستنيرين وتحجب تمييزهم. لم يكن سري يوكتسوار يُظهر احتراما خاصا لذوي النفوذ أو لأصحاب المال والتحصيل العلمي، ولم يحتقر الآخرين لفقرهم أو لأميتهم؛ بل كان يصغي باحترام لكلمات الحق الصادرة عن طفل صغير، وأحيانا يتجاهل جهراً العالِم المغتر بنفسه.

الساعة الثامنة كانت موعد العشاء، وكانت تشهد أحياناً بعض الضيوف المتمهلين في المغادرة. ولم يكن معلمي يتركهم ليتناول الطعام بمفرده. بل لم يدعْ أحدا يغادر الصومعة وهو جائع أو غير راض. وما كان يرتبك أو يفزع من الزائرين الفجائيين، إذ بإرشاده للتلاميذ كان الطعام اليسير يبدو وليمة. ومع ذلك فقد كان مقتصدا وكانت موارده المتواضعة تكفي لسد الحاجيات، وكان يردد دوما القول: "اصرف بارتياح ضمن حدود ميزانيتك، فالإسراف يجلب إليك المتاعب." وسواء في أمور الضيافة أو البناء والصيانة والتصليح، أو النواحي العملية الأخرى، كان المعلم يظهر أصالة روح خلاقة.

ساعات المساء الهادئة كانت تلهم الكثير من محاضرات معلمي التي كانت كنوزا صامدة للزمن. وكل ما ينطق به كان يصوغه بالحكمة. وكانت تأكيداته الذاتية السامية تميّز طريقته الفريدة في التعبير. لقد كان يتكلم بكيفية لم أرها في سواه من قبل، إذ كان يزن أفكاره بميزان من الفحص الدقيق قبل أن يلبسها ثوب الكلام. وجوهر الحقيقة الذي كان يتخلل حتى المظهر الجسدي كان ينبثق عنه ويتضوع منه كنفحات الروح العاطرة. وكنت أحس دوماً أنني في حضرة مظهر حي من مظاهر الله، فكانت نفسي تنحني بكيفية تلقائية أمام عظمته وقدسيته.

وإن صادف ولاحظ الضيوف أن سري يوكستوار أصبح مستغرقا في اللانهائي، كان يشغلهم فوراً في النقاش، حيث لم يكن ممن يتصنعون العظمة أو يتفاخرون بالنشوة الباطنية. فاتحاده الدائم مع الخالق جعله في غنى عن أوقات منفصلة للوصال الإلهي. فالمعلم الذي عرف نفسه قد تخطى فعلا ضرورة التأمل، وكان يقول: "عندما تظهر الثمرة تسقط الزهرة." ولكن القديسين يتمسكون أحيانا بالشكليات الروحية ليكونوا قدوة حسنة للتلاميذ.

ومع انتصاف الليل كان معلمي يهجع كالطفل في غفوة طبيعية. ولم يكن يهتم كثيراً بتجهيزات النوم من فـُرش وشراشف وملاحف، بل كان يرقد أحيانا دون وسادة على أريكة أو كنبة ضيقة تـُستعمل خلفية لمقعده الاعتيادي: جلد النمر. النقاشات الفلسفية غالبا ما كانت تستغرق الليل بطوله. وكان بمقدور كل تلميذ أن يحيي النقاش بالرغبة الشديدة. ولم أكن آنذاك أحس بالتعب أو بالرغبة في النوم، إذ كنت أجد الراحة والانتعاش في كلمات المعلم المشحونة قوة وحيوية. وكثيرا ما كانت الفترات الليلية لتهذيبي الروحي تنتهي بعبارة المعلم: "ها قد بزغ الفجر، هيا بنا نذهب للمشي على ضفة الغانج!"

الشهور الأولى مع سري يوكتسوار تتوجت بدرس نافع حول كيفية التغلب على البعوض. ففي منزلنا كنا نستعمل الستائر الواقية ليلا، وقد جزعت لأن أجد أن هذا التقليد الفطين لا يُراعى البتة في صومعة سيرامبور، مع أن تلك الحشرات المؤذية كانت دائمة الوجود. وإذ أشبعتني لدغا فقد أشفق المعلم عليّ وقال وهو يضحك: "اشتر لنفسك ستارة واشتر أخرى لي، لأنك إن اشتريت واحدة لك فقط سيتحول كل البعوض نحوي."

سررت غاية السرور وكنت شديد الامتنان لهذا الطلب. وفي كل ليلة قضيتها في سيرامبور كان سري يوكتسوار يطلب مني تحضير الستائر وإحكامها وقت النوم.

وفي إحدى الليالي عندما كان سرب من البعوض يحيط بنا، لم يصدر المعلم تعليماته المعتادة. وقد أصغيت بعصبية لطنين تلك الحشرات، وأطلقت ابتهالا حارا نحوها بينما كنت آوي إلى الفراش. وبعد نصف ساعة تظاهرت بالسعال كي ألفت انتباه المعلم، فقد كدت أفقد صوابي بسبب اللدغات المؤلمة والطنين المزعج حيث يحتفل البعوض بطقوسه المتعطشة للدم.

لكني لم ألحظ حركة واحدة من سري يوكتسوار. اقتربت منه بحذر فوجدته عديم التنفس، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أراه بها في غيبوبة اليوغا، فامتلأت رعبا.

حسبت أن قلبه قد توقف عن الحركة فوضعت مرآة تحت أنفه لكني لم أر أثرا لبخار التنفس. ولكي أضاعف تأكدي وضعت أصابعي فوق فمه وأنفه وأحكمت سدهما لبضع دقائق، وقد كان جسمه باردا وعديم الحركة. وبذهول توجهت نحو الباب طلبا للنجدة.

واهتز صوت المعلم بالضحك وهو يقول: "ما شاء الله! يا لك من عالم تجريبي ناشئ! لمَ لا تأوي إلى الفراش؟ هل ينبغي للعالم بأسره أن يتغيّر إكراما لخاطرك؟ غيّر ذاتك وتخلص من الحساسية للبعوض."

عدت بوداعة إلى فراشي، ولم تدن مني بعد ذلك بعوضة واحدة. وقد تيقنت أن معلمي وافق مبدئيا على ابتياع الستائر إكراماً لي فقط، فهو لا يخشى البعوض لأنه يستطيع بالقوة اليوغية أن يمنع البعوض من لدغه، أو بإمكانه إن رغب النجاة منها باللجوء إلى حصن باطني منيع. وقلت في نفسي: "إنه يعلمني درسا في بلوغ الحالة اليوغية التي ينبغي أن أتوصل إليها." فاليوغي الأصيل قادر على بلوغ حالة الإدراك السامي والاحتفاظ بها، بصرف النظر عن المشوشات والمشتتات التي لا تغيب عن هذه الأرض: من طنين حشرات أو توهج شامل لضوء النهار!

في حالة النشوة اليوغية يعطل المريد كل الانطباعات الحسية للعالم الخارجي، وينعم إذ ذاك بأصوات ومشاهدات لعوالم باطنية تفوق الوصف.

هناك درس آخر تعلمته من البعوض: كان ذلك عند ساعة الغسق الهادئة، بينما كان معلمي يفسر النصوص القديمة بطريقته التي لا تضاهى. كنت أجلس عند قدميه في سلام شامل بينما اقتحمت الجو بعوضة وقحة وتنافست على استرعاء انتباهي، فغرزت إبرتها السامة تحت الجلد في فخذي، فرفعت يدي بكيفية آلية قصد الانتقام منها! لكن أنقذها من الهلاك المحتوم خاطرٌ مر ببالي من حِكم باتنجالي عن عدم إيقاع الضرر، فقال المعلم:

"لماذا لم تكمل ما تنوي فعله؟"

قلت: "سيدي، هل تشجع على القتل؟"

أجاب: "كلا. ولكن عقلك قد وجّه الضربة القاضية فعلا."

قلت: "لا أفهم ما تقصد!"

وقرأ سري يوكتسوار أفكاري كما لو كان يقرأ صفحة من كتاب مفتوح، فقال:

"إن ما قصده باتنجالي هو محو الرغبة في القتل، لكن هذا العالم غير مؤهل للتطبيق الحرفي لعدم إلحاق الأذية (الأهيمسا). قد يضطر الإنسان لإبادة المخلوقات الضارة، لكنه ليس ملزما بأن يغضب أو يضمر العداء للآخرين. فكل صور الحياة لها الحق مثل سواها في تقاسم الهواء الكوني. والقديس الذي يتوصل إلى معرفة أسرار الخليقة يتوافق مع كل مظاهر الطبيعة المدهشة. كل الناس يمكنهم فهم هذه الحقيقة بالتغلب على شهوة الإبادة."

قلت: "سيدي، هل ينبغي أن يضحّي الشخص بنفسه بدلا من قتل وحش ضار؟"

أجابني: "لا. فالجسم البشري ثمين ويشتمل على أسمى مقومات النشوء والارتقاء بسبب عقله ومراكزه الفقرية التي لا نظير لها. فهي تمكـّن المريد المتقدم من إدراك أسمى مظاهر الإلوهية والتعبير عنها. ولا يوجد مخلوق أدنى من الإنسان مجهز بمثل ذلك. لا شك أن الإنسان يرتكب خطيئة طفيفة إن هو اضطر لقتل حيوان أو أي كائن حي آخر، لكن النصوص الروحية تقول أن الفقدان الطائش للجسم البشري هو مخالفة خطيرة للقانون الكارمي."

تنفست الصعداء، لأن تأييد الكتب المقدسة لغرائز المرء الطبيعية ليس متيسرا على الدوام.

على حد علمي لم يكن معلمي على مقربة من نمر أو فهد، لكن كوبرا فتاكة واجهته يوما فتغلب عليها بحبه. وهذا النوع من الثعابين مرهوب في الهند حيث يسبب سنويا أكثر من خمسة آلاف وفاة. وقد حدثت المواجهة في بوري حيث كان سري يوكتسوار يملك صومعة أخرى في موقع جميل على خليج البنغال. وكان مع المعلم آنذاك تلميذ صغير اسمه برافولا، وقد روى لي القصة على هذا النحو:

"كنا جالسين معا خارج المنسك حينما ظهرت بقربنا كوبر طولها أربعة أقدام تثير في النفس الرعب، وقد نفشت رأسها بغضب وهي منطلقة نحونا. وكما لو كان المعلم يرحب بطفل، فقد استقبلها ضاحكا في حين أصبتُ بالفزع وأنا أرى المعلم منهمكا في تصفيق إيقاعي تسلية للزائر المريع. وقد لزمت الهدوء التام مرددا في نفسي ما استطعت استحضاره من تضرعات حارة. اقتربت الأفعى جدا من معلمي ثم أصبحت ساكنة تماما كما لو أنها تخدرت مغناطيسيا بملاطفته، ثم استعاد رأسها شكله الطبيعي وانسلت من بين قدمي سري يوكتسوار وتوارت بين الشجيرات القريبة."

وختم برافولا قصته قائلا: "أما لماذا حرّك المعلم يديه بالتصفيق، ولماذا لم تهاجمه الحية، فذلك ما زال سرا بالنسبة لي. ومنذ ذلك الحين أدركت أن معلمنا الأقدس هو أسمى من أن يخشى الأذى من أي مخلوق."

وفي عصر أحد الأيام في الشهور الأولى لوجودي في المنسك لاحظت سري يوكتسوار ينظر إليّ نظرة فاحصة، ثم قال: "إنك نحيف جدا يا موكندا (إسمي قبل أن يصبح برمهنسا)."

لامست كلمات المعلم مني وترا حساسا؛ فعيناي الغائرتان ومظهري النحيل لم يروقا لي. وكان عسر الهضم المزمن يلازمني منذ الطفولة، أما الأدوية والمقويات على اختلافها فقد كانت تملأ رفوف حجرتي في البيت لكن دون فائدة. وأحيانا كنت أتساءل عن جدوى الحياة في جسم هزيل ومعتل.

وقال المعلم: "إن للأدوية حدودا، أما قوة الحياة المقدسة الخلاقة فلا حدود لها. ثق بذلك وستصبح قويا ومعافى."

أقنعتني كلمات سري يوكتسوار على الفور أن باستطاعتي تطبيق نصيحته بنجاح على حياتي. ولم يستطع أي معالج آخر (وقد استشرت العديد منهم) أيقاظ مثل هذا الإيمان العظيم في أعماق ذاتي. ازددت صحة وقوة، وبعد أسبوعين من بركات معلمي الخفية أحرزت الوزن الذي التمسته دون جدوى في الماضي. وتلاشت آلام المعدة دون عودة. وفي مناسبات تالية شهدت الشفاء الإلهي الفوري الذي أحدثه معلمي لأشخاص كانوا يعانون من السكري وداء الصرع والسل الرئوي أو الشلل.

وقال لي سري يوكتسوار بعد شفائي بفترة قصيرة:

"منذ سنوات أنا أيضا رغبت في زيادة وزني، وأثناء فترة النقاهة التي أعقبت مرضا حادا، زرت معلمي لاهيري مهاسيا في بنارس وقلت له:

"سيدي، إنني مريض جدا، وقد فقدت الكثير من وزني."

فأجابني: "أرى أنك جلبت المرض لنفسك، والآن تفكر بأنك نحيف."

"لكن هذا الجواب كان أبعد بكثير مما توقعته، غير أن معلمي أضاف بعد ذلك مشجعا:

"إني متأكد من أنك ستشعر بالتحسن غدا."

وتقبل عقلي كلماته كإشارة بأنه يقوم بشفائي سرة. وفي صباح اليوم التالي بحثت عن معلمي وقلت متهللا:

"سيدي إنني أشعر اليوم بتحسن كبير!"

فأجاب: "بالفعل! فأنت اليوم تنعش ذاتك!"

قلت محتجا: "كلا يا سيدي! إنك أنت الذي ساعدتني، فهذا هو اليوم الأول منذ أسابيع أشعر فيه بالنشاط."

أجاب: "نعم! لقد كان مرضك خطيرا، وجسمك لا يزال واهنا. ومن يدري كيف ستكون حالتك يوم غد."

"وأحسست برجفة باردة تهز كياني لمجرد التفكير في احتمال عودة المرض. وفي اليوم التالي لم أتمكن إلا بصعوبة من جر نفسي إلى بيت لاهيري مهاسيا، وقلت:

"سيدي إنني أتألم من جديد!"

وكانت نظرة المعلم ملغزة وهو يقول: "أرى أنك توعّك صحتك مرة أخرى!"

فأجبته وقد نفد صبري: "يا سيدي الملائكي، الآن تحققت من أنك تسخر مني يوما بعد يوم. لست أفهم لماذا لا تصدّق تقاريري الصادقة!"

ونظر المعلم إليّ بحنان قائلا: "حقا إنها أفكارك هي التي جعلتك تشعر بالضعف والقوة على التعاقب. وقد لمست بنفسك كيف أن صحتك تتجاوب مع توقعاتك اللاشعورية. التفكير هو قوة كالكهرباء أو الجاذبية، والعقل البشري هو شرارة من وعي الله الكلي القدرة. باستطاعتي أن أؤكد لك أن كل ما يثق به عقلك القوي ثقة مطلقة يحدث لك على الفور!"

ولما كنت أعلم أن لاهيري مهاسيا لا ينطق عبثا خاطبته باحترام وعرفان بالجميل قائلا: "سيدي إن فكرت بأنني تعافيت واستعدت وزني السابق فهل يحدث ذلك؟"

وأجاب معلمي برزانة وهو ينظر في عينيّ: "وهو كذلك، ويمكن أن يحدث في هذه اللحظة."

"وعلى الفور شعرت بازدياد لا في القوة والنشاط وحسب بل في الوزن أيضا. وقد لاذ المعلم بالصمت، وبعد بضع ساعات من الجلوس عند قدميه عدت إلى منزل والدتي حيث كنت أقيم أثناء زيارتي لبنارس. لم تصدق أمي عينيها، فقالت مندهشة:

"يا بني ما الذي حدث لك؟ هل أنت مصاب بانتفاخ الاستسقاء؟"

"لقد استعدت إذ ذاك نفس الجسم السليم الذي كان لي قبل مرضي. ووزنت نفسي فوجدت أنني كسبت في يوم واحد خمسين رطلا (حوالي 22 كيلو غراما).

"وتعجب الأصدقاء والمعارف الذين عرفوني نحيلا، وغيّر عدد منهم أساليب حياته وأصبح تلميذا للاهيري مهاسيا نتيجة لهذه المعجزة.

واستطرد سري يوكتسوار قائلا:

"لقد كان معلمي المتيقظ في الله يعلم أن هذا الكون ليس سوى حلم مجسّد للخالق. وإذ كان على شعور وثيق بوحدته مع الحالم الإلهي، فقد كان باستطاعة لاهيري مهاسيا تجسيد أو تبديد أو عمل أي تغيير يريده في الذرات الحلمية للعالم المادي. " وختم سري يوكتسوار حديثه:

"الخليقة بأسرها محكومة بقانون. القوانين التي يستنبطها العلماء وتعمل في الكون الخارجي تدعى قوانين طبيعية. لكن هناك قوانين أكثر شفافية تحكم المستويات الروحية المحجوبة ومنطقة الوعي الروحية. تلك القوانين يمكن معرفتها بواسطة علم اليوغا. ليس العالِِم المادي بل المعلم الذي يعرف نفسه هو الذي يفهم الجوهر الحقيقي للمادة.

وكان سري يوكتسوار مفسرا للكتب المقدسة لا نظير له. والكثير من تذكاراتي السعيدة تدور حول محاضراته. لكنه لم يكن ليطرح درر أفكاره في رماد الغباء أو شرود الذهن، إذ كانت أقل حركة جسدية قلقة أو أي ذهول فكري طفيف يكفي لوضع حد فوري لشروحات المعلم

وقطع سري يوكتسوار حديثه في إحدى الأمسيات قائلا: "إنك لست هنا."

وكالعادة كان سري يوكتسوار يراقب أفكاري مراقبة صارمة، فصحت محتجاً: "ولكني لم أتحرك يا سيدي ولم يرمش لي جفن، وباستطاعتي أن أردد كل كلمة نطقت بها."

أجاب: "ومع ذلك لم تكن مصغيا إليّ بكليتك، ويضطرني هذا الاعتراض من جانبك أن أخبرك بأنك كنت تخلق في عالمك الفكري ثلاثة معاهد: أحدها خلوة وسط الأحراش، والثاني فوق تل، والثالث بجانب المحيط."

وكانت هذه الأفكار الضبابية تداعب فعلا عقلي الباطن، فنظرت إليه معتذرا وقلت في نفسي:

"ما الذي يمكنني أن أفعله مع معلم كهذا له القدرة على النفاذ إلى عقلي وملاحظة حتى أفكاري العارضة؟!"

فأجاب: "أنت الذي منحتني هذا الحق. فالحقائق الشفافة التي أشرحها لا يمكن إدراكها بدون انتباه تام. ولولا الضرورة الملحة لا أجد داعيا لولوج عقول الآخرين، إذ لكل إنسان مطلق الحرية في التجول سرا في أروقة أفكاره. إن الله لا يدخل تلك الأفكار بغير دعوة، ولا أنا أيضا أحاول التطفل."

فقلت: "إنك دائما على الرحب والسعة يا سيدي!"

قال: "إن أحلامك المتعلقة ببناء المؤسسات والمعاهد ستتحقق فيما بعد، ولكن الآن هو وقت الدراسة."

وهكذا تمكن المعلم بهذه الكيفية العرضية وبأسلوبه الخاص من الكشف عن الحوادث الثلاثة الهامة في حياتي: فمنذ بواكير العمر راودتني لمحات غامضة عن ثلاثة أبنية كل منها مصمم تصميما خاصا. وقد تحققت الرؤى بنفس الترتيب الذي تنبأ به سري يوكتسوار. إذ قمت أولا بتأسيس مدرسة يوغا للبنين في سهل رانشي بالهند، ثم المقر الرئيسي العالمي لجماعة معرفة الذات فوق تل في مدينة لوس انجلوس بالولايات المتحدة، وأخيرا صومعة في جنوب كاليفورنيا قرب المحيط الهادئ المترامي الأطراف.

لم تكن تأكيدات المعلم مدفوعة بالكبرياء أبدا، ولم يقل قط : "إنني أتنبأ بأن هذا أو ذاك الشيء سيحدث." بل كان يلمح قائلا: "ألا تعتقد أن هذا قد يحدث؟" لكن حديثه البسيط كان يمتلك قوة تنبؤية لا تخطئ، إذ لم يحدث أبدا أن خابت أي من كلماته المقنّعة.

كان سري يوكتسوار متحفظا وعمليا في تصرفه. فلم يكن يحيط به أي غموض أو اضطراب، بل كانت قدماه ثابتتين على الأرض ورأسه في أعلى عليين. وكان الأشخاص العمليون يثيرون إعجابه، إذ كان يقول: "القداسة ليست خرساء، والإدراك الإلهي لا عجز فيه! والممارسة الفعلية للفضيلة تؤدي إلى ذكاء خارق."

وكان معلمي يحجم عن مناقشة العوالم ما فوق المادية. أما الناحية المدهشة التي كانت تميز حياته فقد كانت البساطة التامة. وكان يتحاشى في حديثه ذكر المراجع المذهلة، وكان عفوياً في تصرفاته الحياتية. وفي حين كان يتكلم المعلمون الآخرون عن المعجزات دون القدرة على الإتيان بأي منها، فقلما ذكر سري يوكتسوار القوانين الخفية مع أنه كان يستخدمها متى شاء، وقد فسر ذلك بقوله:

"صاحب المعرفة الإلهية لا يقوم بأية معجزة ما لم يشعر بالتصريح الإلهي الباطني. فالله لا يرغب في إفشاء أسرار الخليقة عشوائيا دون تمييز، ولكل إنسان في العالم كامل الحق في إرادة حرة. ورجل الله لا يتطفل على ذلك الاستقلال."

وكان السكون الاعتيادي لسري يوكتسوار عائدا إلى إدراكه العميق لله، إذ لم يبق لديه من وقت لما يسمى بالرؤى الطويلة التي تشغل أيام المعلمين غير العارفين. هناك قول مأثور في الكتب الهندية المقدسة:

"في الشخصيات السطحية تسبب الأفكار الصغيرة – كالسمك في الماء الضحل – كثيرا من الاضطراب والهيجان، أما في العقول الجبارة فبالكاد تحدث حيتان الإلهام رعشة واحدة."

[وتعظمُ في عين الصغير صغارُها وتصغرُ في عين العظيم العظائم!]

وبسبب الأسلوب غير المثير لمعلمي، فإن قلائل فقط من معاصريه أدركوا أنه بالفعل شخصية فائقة. والمثل الدارج الذي يقول: "من لا يستطيع إخفاء حكمته هو أحمق" لا ينطبق أبدا على معلمي الغزير المعرفة، الهادئ الطبع. فهو وإن كان بشراً كسائر البشر، إلا أنه حقق الوحدة التامة مع حاكم الزمان والفضاء. وهو لم يجد عقبة واحدة يمكن أن تقف عائقا بين الإنسان وإدراكه لإلوهيته. وأنا كذلك لم أر من عائق سوى البلادة الروحية.

وكنت دوما أحس بفرح عظيم للمس قدمي سري يوكتسوار المقدستين. والتلميذ يمغنط روحيا بلمسة الإحترام لمعلمه. وهذه الملامسة تولـّد تيارا روحيا يقضي على الصفات غير المرغوب فيها في المريد، ويهز أخاديد ميوله الدنيوية هزاً عنيفاً إنما نافعاً. وفي بعض الأحيان تتمزق في مثل لمح البصر حُجب الخداع والأوهام الكثيفة فيلمس التلميذ حقيقة الغبطة ويتذوق غبطة الحقيقة. وكان جسمي بأسره يلبي نداء تقديم الولاء فأحس بوهج مبارك وتحرر كلما كنت أركع أمام معلمي احتراماً.

وفي إحدى المرات قال لي المعلم: "حتى أثناء صمت لاهيري مهاسيا أو انهماكه في موضوعات غير ذي طابع ديني بحت، كنت مع ذلك أحس بأنه منحني معرفة تفوق الوصف."

ولقد أثر فيّ سري يوكتسوار بنفس الكيفية. فكنت إذا دخلت الصومعة مهموما أو عديم الاكتراث، تغيرت حالتي النفسية بصورة لا شعورية وحلت السكينة في قلبي لمجرد رؤية المعلم. وكل يوم معه كان اختبارا جديدا في الفرح والسلام والحكمة. ولم أره ولو مرة واحدة فريسة للطمع أو الانفعال أو الغضب أو أي من التعلقات البشرية. وأحياناً كان يقول: "ها هو ظلام الخداع يقترب خلسة، فلنتوجه إلى الملجأ الداخلي ولنعتصم بنور الله."

وبهذه الكلمات التحذيرية كان المعلم يذكـّر تلاميذه بحاجتهم الدائمة إلى الكريا يوغا. وفي بعض الأحيان كان أحد التلاميذ الجدد يشك في مدى استحقاقه لممارسة اليوغا، فكان يواسيه المعلم قائلا:

"انسَ الماضي، فالحياة الماضية لكل الناس مظلمة بالكثير من العيوب والمخازي. والسلوك البشري لا يمكن الركون إليه أو التعويل عليه ما لم يقطر الإنسان نفسه في الله. كل شيء سيتحسن مستقبلا ما دمت تبذل مجهودا روحيا الآن."

التلاميذ الجدد كانوا يتوافدون إلى الصومعة في سيل متواصل، وتدريبهم الروحي والعقلي كان شغل المعلم الشاغل وهمه الدائم. وحتى قبل وفاته بقليل قبـِل في الصومعة صبيين في السادسة وشابا في السادسة عشرة. وكل الذين كانوا تحت إشرافه حصلوا منه على التدريب الصحيح والتأديب اللازم والملائم.

قاطنو المنسك كانوا يحبون معلمهم ويجلـّونه، فمجرد تصفيقة واحدة بيديه كانت تكفي لاستدعائهم بلهفة إلى جانبه. أثناء صمته أو انسحابه الداخلي لم يجرؤ أحد على الكلام، أما عندما كانت ضحكته ترن مرحاً كان الصبية ينظرون إليه على أنه خاصتهم.

نادرا ما كان سري يوكتسوار يطلب من غيره خدمة خاصة أو يقبل معونة من أي تلميذ ما لم تكن مدفوعة بإخلاص وعن طيب خاطر. وكان يغسل ملابسه بنفسه إذا أغفل تلاميذه هذا الواجب الذي هو بالحقيقة امتياز وشرف. كما كان سري يوكتسوار يرتدي لباس النساك التقليدي الأصفر المائل إلى البني الفاتح. أما حذاؤه فكان طبقا لعادات اليوغيين بدون سيور ومصنوعا من جلد النمر أو الغزال.

وكان المعلم يتكلم بطلاقة الانكليزية والفرنسية والهندية والبنغالية، مع إلمام جيد بالسنسكريتية. وكان يلقـّن بأناة تلاميذه الصغار طرقا مختصرة استنبطها بمهارة لإجادة الإنكليزية والسنسكريتية.

لم يكن المعلم شديد التعلق بجسمه، بل كان يلتزم الحذر إزاءه. فالإلوهية – كما كان يقول – تتجلي في الكمال البدني والعقلي معاً. لكنه كان يعترض على التطرف. ففي إحدى المرات شرع تلميذ في صوم طويل فقال له المعلم: "لما لا تلقي للكلب بعظمة؟"

صحة سري يوكتسوار كانت ممتازة، ولم أره قط مريضا (مع أنه مرض مرة واحدة في كشمير لكنني لم أكن معه). وكان يسمح للتلاميذ باستشارة الأطباء إن هم رغبوا بذلك، احتراما للتقاليد المتعارف عليها. وكان يقول: "الأطباء يجب أن يقوموا بالشفاء عن طريق تطبيق القوانين الإلهية على المادة." إلا أنه كان يشيد بسمو العلاج النفسي، وأحيانا كان يقول:

"الحكمة أعظم علاج، والجسد صديق مخادع، لا تعطه أكثر مما يستحق. الألم والسرور إلى زوال، فتحمل برباطة جأش ثنائيات الحياة محاولا في نفس الوقت التخلص من قبضتها. الخيال هو الباب الذي منه يدخل المرض والشفاء. لا تؤمن بحقيقة المرض ولو كنت معتلا وسينصرف الضيف غير المرحب به."

من بين تلاميذ المعلم كان هناك عدد كبير من الأطباء، الذين كان ينصحهم بالقول:

"الذين درسوا علم وظائف الأعضاء يجب أن يدرسوا علم الروح. فالتركيب الروحي الشفاف يستتر خلف التكوين البدني مباشرة.

ونصح سري يوكتسوار تلاميذه بأن يكونوا نماذج حية للفضائل الشرقية والغربية. في الظاهر كان كواحد من رجال الأعمال الغربيين، لكنه كان شرقيا في روحانيته. وكان يشيد بعادات الغرب الصحية التقدمية الواسعة الحيلة، وبالمُثل العليا الروحية التي أعطت للشرق مجدا عريقا.

التأديب لم يكن غريبا عليّ: ففي البيت كان أبي حازما، وأخي أنانتا قاسياً في أكثر الأحيان، إلا أن تدريب سري يوكتسوار كان صارماً، شديد الأثر! وكمتطـّلب للكمال فقد كان متطرفا في نقد تلاميذه سواء في الأمور الهامة أو الهفوات الطفيفة للسلوك العادي. وكان يقول في مناسبات ملائمة:

"السلوك أو الآداب الاجتماعية بدون إخلاص تشبه امرأة جميلة لكنها ميتة. الصراحة بدون كياسة هي كمبضع الجرّاح فعّال لكنه مؤلم، والصدق في إبداء الرأي مع اللطف نافع ورائع."

المعلم كان على ما يبدو راضيا عن تقدمي الروحي، لأنه قلما تطرق إليه. أما في الأمور الأخرى فلم يكن التعنيف غريبا على أذني. وكانت أكبر إساءاتي شرود الذهن والإنغماس في الحزن والاكتئاب، وإغفال بعض قواعد آداب السلوك، والتصرف أحيانا بكيفية غير منهجية. وقد أشار إحدى المرات إلى ذلك بقوله:

"لاحظ كم هي مرتـّبة ومتزنة نشاطات والدك بهاغاباتي!"

أبي ومعلمي كانا تلميذين للاهيري مهاسيا وقد التقيا فور زيارتي لمنسك سيرامبور. وكان كل منهما يجل قدر الآخر لدرجة كبيرة، وقد أسس كلاهما حياة باطنية رائعة على صخر روحي صامد لصروف الدهر وتقلبات الزمن.

في حياتي المبكرة تلقيت على يد معلم سطحي بعض دروس مغلوطة. إذ قيل لي أن الطالب الروحي ينبغي أن لا يهتم كثيرا بالأمور الدنيوية. وكان لا يوبخني إن أهملت واجباتي أو قمت بها بعدم اكتراث. الطبيعة البشرية بالطبع تستسهل مثل هذه التعليمات وتقبلها بسرعة، لكنني تحت عصا معلمي القاسية أفقت للتو من خداع اللامسؤولية.

وقال لي سري يوكتسوار: "الأطهار الأبرار في هذا العالم يزيّنون سواهم. وما دمت تستنشق هواء الأرض الطليق فمن واجبك العمل وتقديم الخدمات امتنانا لما تحصل عليه. إن الذي أتقن حالة عدم التنفس هو وحده المتحرر من الالتزامات الكونية، وثق بأنني سأخبرك عندما تبلغ قمة الكمال."

لم يكن بالإمكان رشوة معلمي حتى بالمحبة. فهو لم يظهر تساهلا مع أي شخص جاء – مثلي – إليه قصد التدريب الروحي. وسواء كنت منفردا معه أو كنا مع طلبة آخرين أو مع غرباء، كان يتكلم دوما بمنتهى الصراحة ويعنـّف بحدة. وحتى الهفوات الطفيفة والسطحية لم تمر دون توبيخ. وهذه المعاملة المحطمة للكبرياء كان من الصعب احتمالها، لكنني كنت قد عقدت العزم على السماح لسري يوكتسوار كي يحلّ كل عقدة في نفسي ويقوّم كل التواء في شخصيتي. وإذ عمل على إحداث هذه التغيرات الضخمة في شخصيتي فكثيرا ما ترنحت تحت ثقل مطرقته التأديبية، وكان يؤكد لي:

"إذا كان كلامي لا يعجبك فبإمكانك المغادرة في أي وقت. فأنا لا أريد منك شيئا سوى تحسّنك وتقدمك. يمكنك البقاء فقط إن كنتَ تحس بالفائدة."

إنني ممتن إلى أقصى حد لتلك الضربات القوية التي سددها إلى زهوي وغروري. وكنت أشعر أحيانا – من قبيل المجاز – أنه كان يحدد مواقع الأضراس النخرة في فكي ثم يقتلعها الواحد تلو الآخر. فالنواة الصلبة للكبرياء البشري يصعب استئصالها إلا بالشدة والخشونة. ومع زوالها يجد الله في نهاية المطاف قناة سالكة لا يعوقها عائق. وهيهات أن يتمكن من الوصول إلى القلوب المتحجرة بالأنانية، القاسية كالصوان.

بصيرة سري يوكتسوار كانت نفـّاذة. وهو لم يلق بالاً لأقوال الآخرين، بل غالباً ما كان يجيب على ما يدور في أفكارهم. فالكلمات التي يتلفظ بها الشخص والأفكار الفعلية من ورائها قد تكون على طرفي نقيض. وكان معلمي يقول:

"حاول بالهدوء أن تحس بالأفكار التي تعتمل خلف الحشو والإطناب في كلام الناس."

لكن التصريحات الجازمة للبصيرة المقدسة غالبا ما تؤذي الآذان البشرية. فالمعلم لم يكن مرغوباً للتلاميذ السطحيين. أما العقلاء – وهم دائما قلة قليلة – فقد كانوا يكنون ويظهرون له الاحترام والتبجيل. ويمكنني القول أن سري يوكتسوار كان بإمكانه أن يكون أكثر المعلمين شعبية وطلباً لو لم تكن كلماته مشبعة صراحة ونقداً، وقد اعترف لي بذلك قائلا:

"إنني قاس على الذين يأتون إليّ من أجل التدريب. هذه هي طريقتي، ولك أن تقبلها أو ترفضها. فأنا لا أرضى أبدا بالحلول الوسط، لكنك ستكون أكثر رقة مع تلاميذك، وتلك هي طريقتك. إنني أحاول التطهير بنيران الشدة الكاوية التي تفوق الطاقة العادية للتحمل، لكن طريقة المحبة الرقيقة هي رائعة أيضا. والأساليب القاسية واللينة معا هي فعّالة إن طـُبقت بحكمة. إنك ستذهب يوما إلى بلاد الغرب حيث التهجم على شخصية الإنسان غير مرغوب فيه. ولا يمكن لمعلم أن ينشر رسالة الهند في الغرب ما لم يكن لديه مخزون وافر من الاحتمال وسعة الصدر." (ولا حاجة أن أذكر هنا عدد المرات التي تذكرت بها كلمات المعلم فيما بعد. )

ومع أن حديث سري يوكتسوار غير المتصنع حال دون إتباع الكثيرين له أثناء إقامته الأرضية، لكن روحه الخالدة تعيش اليوم في العالم في نفوس العدد المتزايد لمريدي تعاليمه المخلصين. وهو يتربع في قلوب الناس على عرش أسمى بكثير مما كان يحلم به الإسكندر الأكبر على الأرض.

المعلم كان يشير إلى هفوات تلاميذه بكثير من التهويل. وقد حضر والدي أحد الأيام إلى سيرامبور للسلام على سري يوكتسوار وتقديم احترامه له. وعلى الأرجح أنه توقع سماع بعض عبارات الثناء عني. ولكن بدلا من ذلك تلقى تقريرا مطولا عن عيوبي. فهرع والدي ليراني وقال وهو يبكي ويضحك:

"استخلصت من ملاحظات معلمك بأني سأرى شخصا محطما!"

والسبب الوحيد من عدم رضاء سري يوكتسوار عني ذلك الحين هو محاولتي – بالرغم من ممانعته اللطيفة – استمالة أحد الأشخاص إلى الطريق الروحي.

وبأقصى سرعة وسخط متأجج بحثت عن معلمي الذي استقبلني بعينين مُطرقتين، كما لو كان يشعر بالذنب. وكانت تلك هي المرة الوحيدة التي رأيت فيها الأسد الإلهي وديعاً أمامي، فشعرت بلذة فائقة في تلك اللحظة الفريدة، وقلت:

"سيدي لماذا أدنتني دون رحمة أو شفقة أمام والدي المصعوق؟ هل كنتَ محقاً في ذلك؟"

فأجاب المعلم معتذراً: "لن أفعل ذلك ثانية."

تبدد سخطي في التو واللحظة، وتعجبت كيف اعترف الرجل العظيم بخطئه على الفور! ومع أنه لم يعكر سلام أبي مرة أخرى، لكنه واصل تحليلي وتشريحي أينما وحيثما شاء.

وكان هناك بعض التلاميذ الجدد ينضمون إلى سري يوكتسوار في نقد شامل للآخرين، كما لو كانوا حكماء كالمعلم، أو نماذج من التمييز النقي! لكن المهاجم يجب أن لا يكون أعزلا، بدون حماية! ونفس هؤلاء الناقدين كانوا يفرون عل عجل لمجرد إطلاق سري يوكتسوار عليهم بضعة سهام من جعبته التحليلية. وكان المعلم يعلق على هؤلاء الطائشين بقوله:

"إن الضعف الداخلي الذي يثور لمجرد تعنيف بسيط يشبه أجزاء الجسم المريضة التي تنكمش ألماً حتى عند الملامسة الرقيقة لها."

العديد من الطلبة كان عندهم تصور مسبق لطبيعة المعلم الروحي، إذ كانوا يقيسون أقواله وأفعاله طبقا لذلك التصور. وغالبا ما كانوا يتذمرون لعدم فهمهم لسري يوكتسوار، وقد أجبتهم في إحدى المناسبات:

"ولن تفهموا الله أيضاً! إنكم لن تتمكنوا من معرفة القديس إلا عندما تصبحون قديسين مثله. فمن بين مليارات الألغاز والخفايا والكائنات الحية التي تستنشق كل ثانية الهواء الغامض لهذا الوجود، من يجرؤ على القول أن بالإمكان التعرف بسهولة على طبيعة المعلم الروحي التي لا تسبر أغوارها؟"

كان التلاميذ يأتون إلى المعلم ثم يغادرون المنسك. فالذين رغبوا في التعاطف الفوري والاعتراف المريح بالاستحقاقات الذاتية لم يجدوا مطمحهم في الصومعة. وكان المعلم يقدم المأوى والرعاية للتلاميذ، لكن تلاميذ كثيرين أصروا أيضا على بلسم يحفظ لهم أنانيتهم وكبريائهم، ورحلوا مفضلين إهانات الحياة الكثيرة على أي تواضع من جانبهم. وكان إشعاع المعلم الساطع وضوء حكمته النفاذ أقوى بكثير مما يتحمله مرضهم الروحي، وهكذا فقد بحثوا عن معلم من مرتبة أدنى يتملقهم ويخفي مساوئهم مما يبقي الجهل مسيطرا عليهم.

إبان الشهور الأولى مع المعلم أحسست بالتوجس من توبيخه لي، لكن علمت فيما بعد أن تشريحه الكلامي كان يجريه فقط على الأشخاص الذين طلبوا منه – مثلي – تأديبهم. وإن حدث وأبدى أحد التلاميذ اعتراضا كان سري يوكتسوار يلوذ بالصمت دون استياء. ولم تكن كلماته مدفوعة بالغضب أبدا، بل موضوعية ومشبعة بالحكمة.

تعنيف المعلم لم يكن موجهاً نحو الزائرين العرضيين، فهو قلما أشار إلى عيوبهم بالرغم من كونها ظاهرة. أما بالنسبة للتلاميذ الذين طلبوا منه النصح والإرشاد فقد كان يحس نحوهم بمسؤولية جسيمة. وجريء بالفعل ذلك المعلم الذي يتخذ على عاتقه تصفية المعدن الخام للبشرية المليئة بحب الذات. وشجاعة القديس تكمن في تعاطفه مع البشر المنخدعين بالأوهام والمتعثرين على دروب الحياة لعدم امتلاكهم البصر والبصيرة.

وبعدما توقفت عن التذمر الداخلي خفـّت عقوبتي بشكل واضح، وفاض معلمي رقة بكيفية ملحوظة. ومع مرور الأيام تمكنت من هدم جدران التبريرات العقلية والتحفظات الباطنية التي غالبا ما تختبئ خلفها شخصية الإنسان. وكانت مكافأتي التوافق والانسجام مع معلمي دون عناء. وقد لاحظت فيما بعد أنه كان يمتلك ثقة وعطفا ومحبة هادئة، إلا أنه بسبب عدم ميله إلى إظهار عواطفه لم يمنح كلمة حنان.

ولما كان الحب الإلهي يميّز مزاجي في الدرجة الأولى فقد قلقت في البداية لأن أجد معلمي مشبعا بالحكمة وجافا على ما يبدو من حيث الأشواق الإلهية، ويعرب عن ذاته بعبارات روحية حسابية باردة. لكنني بالتوافق مع طبيعته لم ألحظ أي نقص أو عائق في طريقي نحو الله، بل على العكس ازددت قربا منه. فالمعلم العارف بالله يمتلك القدرة التامة على إرشاد تلاميذه ذوي الميول المتعددة في طرق تناسب الميول الطبيعية لكل منهم.

علاقتي بسري يوكتسوار كانت أعمق من أن يُعبر عنها بالكلام، بل كان الصمت البليغ سمتها المميزة. وغالبا ما كنت أجد توقيعه الصامت على أفكاري مما يجعل الكلام غير ضروري. وإذ كنت أجلس بهدوء قربه، فقد كنت أحس بفيضه الروحي الغزير ينسكب بسلام في أعماق كياني.

واتضح إنصاف سري يوكتسوار أثناء عطلتي الصيفية الأولى. فمع انتهاء فصل الدراسة في الكلية رحبت بالفرصة التي أتاحت لي صرف بضعة شهور متواصلة مع معلمي في سيرامبور. وقد سُر لقدومي المتحمس وقال:

"سأعهد إليك بإدارة شؤون الصومعة، وستشمل واجباتك استقبال الضيوف والإشراف على عمل التلاميذ الآخرين."

بعد أسبوعين من ذلك جاء إلى الصومعة شاب قروي من شرق البنغال يدعى كومار، وحصل على القبول لتلقي التدريب الروحي. وقد كان مفرط الذكاء وتمكن على الفور من الفوز بمودة المعلم. ولسبب يصعب إدراكه فقد اتخذ سري يوكتسوار موقفا غير انتقادي من الوافد الجديد.

وخلال شهر من قدوم الشاب الجديد أصدر المعلم تعليماته بالقول:

"موكندا، دع كومار يتسلم واجباتك، واستخدم وقتك في أعمال الطهي والتنظيف."

وما أن ارتقى كومار إلى مركز الإدارة حتى راح يستبد بالآخرين الذين واصلوا بحثهم عني، في عصيان صامت، طلبا للمشورة اليومية. واستمر الوضع على هذه الوتيرة لثلاثة أسابيع، ثم سمعته اتفاقا، من غرفة مجاورة، يشكو للمعلم قائلا: " موكندا مستحيل. فأنت جعلتني مشرفا لكن الآخرين يذهبون إليه وينفذون أوامره."

فأجابه سري يوكتسوار بنغمة جافة كانت غريبة على أذني كومار:

"لهذا السبب بالذات أسندت إليه المطبخ وأسندت إليك استقبال الوافدين لعلك تفهم أن القائد المحترم يرغب بخدمة الآخرين وليس بالسيطرة عليهم. فأنت حسدت موكندا على مركزه وأردته لك، لكنك لم تستطع الاحتفاظ به عن جدارة. الآن عد إلى عملك السابق كمساعد للطاهي."

ورغم هذا الحادث المهين فقد عاود المعلم موقف التساهل مع كومار. ومن يستطيع حل أسرار الجاذبية؟ ففي كومار اكتشف المعلم ينبوعا فاتنا لم يتدفق من زملائه. ومع أن الشاب الحديث كان على ما يبدو التلميذ المفضل لدى سري يوكتسوار لكنني لم أشعر بالإنزعاج لذلك. فالمزاج الشخصي الذي يمتلكه حتى المعلمون يضفي لمسة رائعة على نماذج الحياة وتعقيداتها. ولم يكن من طبعي أو طبيعتي الرضاء بالتفاصيل الصغيرة، إذ كنت أسعى في الحصول من سري يوكتسوار على كنوز سامية لا على عبارات من الإعجاب والثناء.

وفي أحد الأيام خاطبني كومار بحدة جارحة دون سبب، فأوجعني كلامه كثيرا. وكان جوابي له بمثابة تحذير شعرت بديهيا بصدقه، فقلت له:

"إن رأسك منتفخ لدرجة الانفجار! وما لم تحسّن مسلكك فسوف يُطلب منك يوما ما مغادرة هذا المنسك."

وردد كومار ملاحظتي بضحك وسخرية على مسامع المعلم الذي كان قد دخل الغرفة للتو، فانزويت في أحد أركان الغرفة متوقعا التعنيف كل التوقع. لكن جواب معلمي للشاب جاء بارداً بشكل غير مألوف: " لربما كان موكندا على حق!" ونجوت أنا من التوبيخ.

بعد عام من تلك الحادثة غادر كومار المنسك إلى مسقط رأسه، متجاهلا الممانعة الهادئة لسري يوكتسوار الذي لم يتحكم بطريقة دكتاتورية في تصرفات تلاميذه. وعند عودة الشاب إلى سيرامبور بعد بضعة شهور بدا عليه تغيير مؤلم. فقد ولـّى كومار ذو الوجه اللامع الرصين، ووقف أمامنا قروي عادي بعادات رديئة اكتسبها مؤخرا.

واستدعاني المعلم وناقش معي بقلب كسير قضية الشاب، وقال أنه لم يعد صالحا لحياة المنسك. ثم أضاف قائلا:

"موكندا، أترك لك أمر الطلب من كومار كي يغادر المنسك غداً. فليس باستطاعتي أن أبلغه ذلك بنفسي."

وترقرقت الدموع في عيني سري يوكتسوار، لكنه ضبط عواطفه بسرعة وهو يقول:

"ما كان للصبي أن يهبط إلى هذا المستوى الوضيع لو أنه أصغى إلى نصيحتي ولم يختلط برفقاء السوء. أما وقد رفض حمايتي له فسيكون العالم القاسي معلمه."

لم أشعر بأي شماتة لانصراف كومار. وعجبت متأسفا لشخص اكتسب حب المعلم ومع ذلك استجاب للإغراء الرخيص. فالتلذذ بالخمر والجنس متأصل في الإنسان الطبيعي ولا يتطلب منه امتلاك مشاعر سامية لتذوقه. ويمكن تشبيه خداع الحواس بنبتة الدفلى الدائمة الخضرة: فهي ذكية الرائحة وزهورها وردية اللون، لكن السم القاتل يكمن في كل جزء منها. إن أرض الشفاء تكمن في روح الإنسان وتزخر بشتى ألوان السعادة التي يبحث عنها الناس بغباء في وسائل خارجية لا حصر لها.

وأشار المعلم ذات مرة إلى ذكاء كومار اللامع قائلا:

"العقل الثاقب هو ذو حدين، ويمكن استخدامه استخداما بنـّاءً أو هدّاماً. وكالمشرط بالإمكان أن يستأصل دمّل الجهل المتقيح أو يقطع رأس صاحبه. والذكاء يتم توجيهه في المسار الصحيح عندما يتأكد العقل من استحالة القفز على القانون الروحي أو الهروب منه."

وكان معلمي يختلط بحرية بتلاميذه من الرجال والنساء ويعاملهم كأبناء له. وإذ كان يدرك المساواة الروحية بين الرجل والمرأة، فلم يبدِ تحيزاً تجاه أحدهما، وكان يقول:

"أثناء النوم لا تعرف ما إذا كنت رجلا أو امرأة. وكما أن الرجل الذي يتخفى في زي امرأة لا يصبح امرأة، هكذا النفس المحجوبة في الرجل أو المرأة لا تتقمص جنس أي منهما لأنها صورة الله النقية التي لا ينالها التبديل أو التغيير.

ولم يتجنب سري يوكتسوار النساء أو يلقي عليهن باللوم لـ "سقوط الرجل"، بل كان يقول أن النساء أيضا يواجهن الإغراء من الجنس الآخر. وقد سألت المعلم ذات مرة عن السبب الذي حدا بقديس قديم عظيم لأن يطلق على النساء اسم "بوابة الجحيم". وجاء جواب المعلم ممزوجا بسخرية لاذعة:

"لا بد أن فتاة أقلقت سلامه العقلي في مستهل حياته، وكان الأحرى به أن يلوم عجزه عن ضبط نفسه لا أن يلوم المرأة."

وكان إن حدث واجترأ أحد زائري المنسك على أن يقص قصة ماجنة يحتفظ المعلم بصمت غير متجاوب، وكان يقول لتلاميذه: "لا تسمحوا للوجوه الجميلة بضربكم والتغلب على ضبط نفسكم. وهل يقوى عبيد الحواس على التمتع بالعالم؟ فشذاه الناعم أرق من أن تتذوقه حواسهم المتمرغة في أوحال الرغبات. فكل ضروب التمييز الراقي والأحاسيس الرقيقة يفتقر إليها ذوو الشهوات البدائية."

وكان الطلبة الراغبون في الإفلات من أوهام الجنس يتلقون من سري يوكتسوار النصيحة التالية:

"كما أن الجوع مسوّغ، وليس الشره، فقد غرست الطبيعة الغريزة الجنسية في الكائنات من أجل استمرارية وتكاثر الأنواع وليس لإثارة الشهوات التي لا تشبع ولا ترتوي. اقضوا على الرغبات الخاطئة الآن وإلا لازمتكم بعد انفصال الجسم الكوكبي عن غلافه المادي. وحتى عندما يكون الجسم ضعيفا فمن واجب العقل المقاومة. وإن هجمت عليكم الوساوس بقوتها العاتية استعينوا عليها بالحكمة واقهروها بالإرادة القوية، إذ بالإمكان السيطرة على كل شهوة طبيعية.

"صونوا قواكم وكونوا كالبحر الزاخر الذي يستوعب بهدوء أنهار الحواس الفرعية. فالرغبات المتجددة يوميا تستنزف سلامكم النفسي، وهي كالفتحات في الخزان، تتسرب منها المياه الحيوية وتفقد ذاتها في تربة المادة القاحلة. الدافع القوي لتحقيق الرغبات الخاطئة هو أكبر عدو لسعادة الإنسان. تجولوا في العالم كأسود تضبط ذاتها ولا تسمحوا لضفادع الضعف البشري أن تدوسكم بأقدامها."

المريد الصادق يتحرر أخيرا من كل إرغام غريزي ويوجّه رغبته في الحب البشري إلى شوق خالص لله وحده مصدر كل حب وشوق في الحياة.

كانت والدة سري يوكتسوار تقيم في قسم رانا محل ببنارس حيث قمت بزيارتي الأولى للمعلم. وكانت امرأة طيبة وكريمة لكنها ذات آراء متصلبة. وقد وقفت في شرفتها ذات مرة ولاحظت ما دار بين الأم والابن. وقد حاول المعلم بطريقته الهادئة إقناعها بأمر ما، لكن على ما بدا لم ينجح في ذلك لأنها هزت رأسها بقوة كبيرة قائلة: "لا، لا، يا ابني. انصرف الآن! كلماتك الحكيمة هذه ليست لي، فأنا لست تلميذتك!"

وتراجع سري يوكتسوار دون مزيد من النقاش. وقد تأثرت لاحترامه الكبير لأمه حتى أثناء مزاجها غير المعقول. فهي لم تنظر إليه كحكيم بل كابنها الصغير! ولهذا الحادث الطفيف جانب محبب، إذ أنه يلقي ضوءا على طبيعة معلمي غير الاعتيادية: فهو وديع باطنيا، ولكنه صلب لا يلين ظاهريا:

والقواعد النسكية لا تجيز للسوامي الاحتفاظ بالروابط الدنيوية بعد فصمها رسميا، إذ لا تسمح له بإقامة الطقوس والشعائر المفروضة على رب الأسرة. إلا أن شنكرا المؤسس القديم لسلك السوامي لم يكترث لهذه التعاليم. وحين وفاة أمه المحبوبة أحرق جثمانها بنار سماوية فجّرها من يده المرتفعة.

وبالمثل فقد تجاهل سري يوكتسوار هذه القيود بكيفية أقل إثارة. فعند وفاة أمه قام بالترتيبات اللازمة لحرق الجثمان على شاطئ الغانج ببنارس، وأطعم أعدادا كبيرة من الناس، بحسب التقليد القديم.

والغاية من النواهي الدينية هي مساعدة السواميين في التغلب على الروابط الضيقة، لكن شنكرا وسري يوكتسوار اندمجا اندماجا تاما في روح الوجود ولم يعودا بحاجة للخلاص عن طريق التمسك بالطقوس والشعائر. وقد يَعْمد المعلم أحيانا إلى تجاهل قاعدة دينية لكي يبيّن أهمية المبدأ الذي تقوم عليه تلك القاعدة وليؤكد أن المبدأ أسمى من الشكل ومستقل عنه.

وباستثناء الأسفار المقدسة، فلم يكن سري يوكتسوار يهتم كثيرا بقراءة الكتب. ومع ذلك فقد كان ملماً إلماماً دقيقاً بأحدث الاكتشافات العلمية وضروب التقدم المعرفية. وكمتحدث بارع كان يتبادل الآراء مع زائريه في موضوعات لا حصر لها. وكانت بديهة معلمي الحاضرة وضحكته المرحة تنعشان كل مناقشة. ومع أنه كان رصينا في أغلب الأحيان، لكنه لم يكن مكتئباً أبدا، وكان يقول: "لا يحتاج الباحثون عن الله إلى الجدية المفرطة، فمعرفة الله تعني موت كل الهموم والأحزان."

ومن بين الفلاسفة والأساتذة والمحامين والعلماء الذي أتوا إلى الصومعة، كان عدد منهم يأتي للمرة الأولى متوقعا مقابلة رجل دين تقليدي متمسك بالمناهج العادية المعروفة. وكانت الابتسامة المتعجرفة أو نظرة التساهل من القادمين الجدد تكشف أحيانا بأنهم لم يتوقعوا أكثر من سماع بضع عبارات وعظية أكل الدهر عليها وشرب. ولكنهم ما أن كانوا يجلسوا قليلا حتى ليودوا البقاء طويلا مع المعلم، ولا ينصرفون إلا على مضض، مما يؤكد أن سري يوكتسوار امتلك معرفة دقيقة في ميادين تخصصهم!

المعلم كان رقيق الطباع، أنيسا مع ضيوفه، يستقبلهم بمودة قلبية. لكن أقطاب الكبرياء والحب الذاتي كانوا يحسون أحيانا بصدمة منعشة، إذ يلاقون من المعلم إما برودة وعدم اكتراث أو مقاومة هائلة: الجليد أو الحديد!

وحدث مرة أن أحد علماء الكيمياء الملحدين تحدى سري يوكتسوار بأن يثبت له وجود الله، مؤكدا أن العلم لم يستنبط بعد وسيلة للكشف عنه. فرمقه سري يوكتسوار بنظرة صارمة وقال:

"هكذا فشلت بكيفية غامضة في عزل القوة العظمى في أنابيب اختبارك! إنني أقترح عليك تجربة جديدة: افحص أفكارك دون انقطاع لأربع وعشرين ساعة، ثم لا تعجب بعد ذلك لغياب الله."

وقد تلقى عالم مشهور آخر لطمة مماثلة أثناء زيارته الأولى للصومعة. فقد ملأ هذا "العلامة" جو الصومعة بترديد الحكمة المقدسة عن ظهر قلب، وانسكبت من لسانه قطع وأبيات رنانة من المهابهاراتا والأوبانيشاد وتعليقات وشروح شنكرا. فقال المعلم: "أود سماع ما تقوله أنت لا ما تنقله عن الكتب."

وقد ساد الصمت وفوجئ البانديت بهذه الكلمات. وإذ كنت أجلس القرفصاء على مسافة محترمة من الزائر، فقد هزتني كلمات المعلم طربا وهو يقول: "أما الاقتباسات والشواهد فهي كثيرة لا يمكن حصرها، ولكن ما هو التفسير الأصيل الذي يمكن أن تقدمه لنا من تجربتك الشخصية الفريدة؟ وكيف ساعدتك هذه الحقائق الأزلية على تجديد حياتك؟ أم هل أنت قانع بأن تظل كالببغاء تردد دون فهم أقوال الآخرين؟"

وبدا العالم حزينا بكيفية تبعث على الضحك وهو يقول: "إنني أعترف بعجزي، فأنا لا أملك معرفة باطنية."

وربما للمرة الأولى في حياته أدرك ذلك العالم أن حفظ الآيات المقدسة ليس بديلا عن المعرفة الإلهية."

وبعد انصراف الرجل الموبَّخ، قال معلمي: "هؤلاء العلماء المتحذلقون هم متطفلون. فهم يفضلون بأن تكون الحكمة مجرد تمرين عقلي. وأفكارهم المحلقة غير متصلة إطلاقاً بالعمل المادي أو التهذيب الروحي!"

وفي مناسبات أخرى كان المعلم يشدد على عقم القراءة النظرية وحسب، فكان يقول:

"لا تخلطوا بين الفهم وغزارة المفردات. فالكتب المقدسة نافعة في تحفيز الرغبة للمعرفة الباطنية. الفقرات الروحية يجب هضمها جيدا، واحدة فواحدة. وإلا فقد تؤدي الدراسة العقلية المتواصلة إلى الغرور والرضاء المزيف والمعرفة غير المهضومة."

وروى سري يوكتسوار أحد اختباراته في التهذيب الروحي. وكان المشهد صومعة في غابات البنغال الشرقية، حيث اختبر طريقة المعلم المشهور دابرو بالاف التي كانت معروفة في الهند القديمة وتتميز بالبساطة والتعقيد في نفس الوقت.

جلس تلاميذ دابرو بالاف حوله في خلوة الغابة وفـُتحت أمامهم البهاغافاد غيتا. ونظروا بثبات إلى فقرة من فقرات الغيتا لمدة نصف ساعة، ثم أغمضوا أعينهم لمدة نصف ساعة أخرى قبل أن يعلـّق المعلم تعليقا وجيزا. وبدون حراك صرفوا ساعة أخرى في التأمل. وأخيرا تكلم المعلم:

"هل فهمتم الفقرة الآن؟"

واجترأ أحد التلاميذ على التأكيد بالقول: "نعم يا سيدي."

فأجاب المعلم: "كلا. ليس تماما. ابحثوا عن القوة الروحية التي منحت هذه الكلمات القدرة على تجديد شباب الهند جيلا بعد جيل." وانقضت ساعة أخرى في الصمت، ثم صرف المعلم التلاميذ وتوجه إلى سري يوكتسوار قائلا:

"هل تعرف البهاغافاد غيتا؟"

فأجابه: "كلا يا سيدي، لا أعرفها جيدا بالرغم من مرور عينيّ وعقلي فوق صفحاتها مرارا عديدة."

فأشرق العالم العظيم بابتسامة وقال لمعلمي مباركا: "الآلاف أجابوني بخلاف ذلك! إن حَصَرَ المرء اهتمامه في عرض خارجي للثروة المقدسة، فأين الوقت الذي يجده للغوص في بحر السكون الباطني بحثا عن اللآلىء الثمينة؟"

واتبع سري يوكتسوار مع تلاميذه نفس طريقة التركيز الكلي، فكان يقول:

"الحكمة لا يمكن تحصيلها بالنظر بل بالقلب. وعندما تكون قناعتك بالحق لا في دماغك فحسب بل في كل ذرة من كيانك، تستطيع عندئذ أن تتحدث بتواضع عن تجاربك مع الحقيقة."

وكان المعلم يُحذر التلاميذ من اعتبار المعرفة الكتابية خطوة أساسية للإدراك الروحي. وكان يلاحظ قائلا: "لقد دوّن الحكماء في جملة واحدة معارفَ عميقة أجهد المفسرون أنفسهم في تحليلها وتعليلها قروناً طويلة. فالنقاش الأدبي المتواصل هو للعقول غير المستنيرة. وهل من فكر يقدر على منح المعرفة والحرية كالتفكير بالله والتأمل عليه؟"

لكن الإنسان نادرا ما يعود إلى البساطة الفطرية ويقنع بها. وهو لا يتوجه إلى الله ذاته بل يميل إلى المفاخرة بالمعارف المكتسبة من قراءة الكتب، فيرضي كبرياءه بسعة الاطلاع والتبحر في العلم:

وكم من مرة اضطر الرجال الذين كانوا يعتزون بمراكزهم الدنيوية الرفيعة إلى إضافة التواضع إلى مقتنياتهم الأخرى في حضرة المعلم! وفي أحد الأيام حضر إلى صومعة بوري على ساحل البحر قاض محلي وطلب مقابلة مع المعلم. وكان هذا الرجل معروفا بقسوته وبمقدوره أن يسلبنا المنسك. وقد ذكرت هذه الحقيقة لمعلمي، لكنه لم يُبدِ اكتراثا لذلك وظل جالسا مكانه دون مساومة، بل أنه لم يقف لتحية الزائر. وشعرت ببعض التوجس فجلست قرب الباب، ولم يطلب سري يوكتسوار مني كي أحضر كرسياً للقاضي الذي اضطر للجلوس على صندوق خشبي، وقد خاب ظنه على ما يبدو إذ لم تتحقق توقعاته من أن شخصه الخطير سيرحَب به باحتفاء كبير!

تلا ذلك نقاش روحي، وقد تلعثم الزائر وتعثر في تفسير الأسفار المقدسة. وإذ ابتعد عن الصواب فارقه صوابه فاستشاط غضباً وراح يصيح:

"هل تعلم أنني كنت أول الناجحين في امتحانات الماجستير؟"

فأجاب المعلم برزانة: "يا حضرة القاضي، لقد نسيت أن هذا المكان ليس قاعة محكمتك. ومن تعليقك السخيف أدركت أن منهجك الجامعي لم يكن شيئاً يستحق الاعتبار. وعلى أي حال فليس هناك من علاقة بين الدرجة الجامعية والمعرفة الروحية. والقديسون لا يتم إنتاجهم بالجملة، كالمحاسبين، مرة كل نصف سنة دراسية."

بعد صمت وذهول كبير أغرق الزائر في الضحك وهو يقول:

"هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أقابل فيها قاضياً سماوياً!"

بعد ذلك تقدم بطلب انتساب رسمي صاغه في القالب القانوني الذي على ما يبدو كان جزءا لا يتجزأ من حياته، يلتمس بموجبه قبوله تلميذا تحت الاختبار.

لم يكن سري يوكتسوار – ولا لاهيري مهاسيا من قبله - يشجع التلاميذ "غير الناضجين" على الانخراط في سلك السوامي. فكان يقول: "إن ارتداء الملابس الدينية مضلل للناس إذا افتقر الشخص للمعرفة الإلهية. دعك من علامات الترك الخارجي التي قد تضرك بخلق زهو مصطنع، واعلم أن الشيء الهام هو التقدم الروحي المتواصل عن طريق ممارسة الكريا يوغا."

القديس في تقييمه للناس يستخدم معيارا يختلف كثيرا عن معايير العالم المتقلبة. والإنسانية التي تبدو مزركشة في عين ذاتها يراها المعلم منقسمة إلى نوعين لا غير: جاهلون لا يبحثون عن الله، وعقلاء يبحثون عنه.

المعلم كان يشرف على أدق التفاصيل المتعلقة بإدارة أملاكه. وحينما حاول بعض المستهترين الانتهازيين في أوقات مختلفة الاستيلاء على ممتلكاته الموروثة عن السلف أقام عليهم الدعاوى القضائية وتغلب عليهم في كل مرة بفضل تصميمه الراسخ. وقد رضي بتحمل هذه التجارب المؤلمة كي لا يكون عالة على تلاميذه.

لقد كان الاستقلال المالي أحد الأسباب التي جعلت معلمي في منتهى الصراحة والوضوح مع الآخرين، دون اللجوء إلى الدبلوماسية وأساليبها الملتوية. وعلى نقيض بعض المعلمين الذين يتملقون مسانديهم كان معلمي غني النفس منيع الجانب لا يهتم بثراء الآخرين ولا يكترث بالتأثير الظاهر أو الخفي لذلك الثراء. ولم أسمعه مرة واحدة يلتمس المال أو يلمّح إليه في أية مناسبة. وكان تعليم الصومعة مجاناً لمن يطلبه دون أي مقابل.

في أحد الأيام حضر أحد الموظفين إلى منسك سيرامبور ليسلم سري يوكتسوار استدعاء قضائيا. وكنت حاضرا مع تلميذ آخر يدعى كاناي. وكان موقف الموظف تجاه المعلم يبعث على الاستياء، فقال له بازدراء:

"من الأفضل لك أن تترك ظلال صومعتك وتستنشق هواء الصدق والأمانة في ساحة القضاء."

ولم أستطع تمالك نفسي فتقدمت نحوه مهددا وقلت: "إن تفوهت بكلمة أخرى واحدة من وقاحتك فسأطرحك أرضا!"

وانضم إليّ كاناي في نفس الوقت صائحا: " كيف تجرؤ أيها الحقير على التجديف في هذا المكان المقدس؟"

لكن المعلم وقف بيننا وبين المسيء إليه وقال: "لا تنفعلوا للاشيء، فالرجل يؤدي واجبه."

وإذ ذهل الموظف لهذا التناقض في استقباله، قدم باحترام كلمة اعتذار وانطلق في حال سبيله.

وكان من العجب العجاب أن نرى معلماً ذا إرادة نارية وفي نفس الوقت يمتلك الهدوء وضبط النفس. ومعلم مثل هذا ينطبق عليه تعريف الفيدا لرجل الله الذي هو "أرق من الزهرة عندما تمس الحاجة للرقة واللطف، وأشد من الرعد القاصف في نصرة الحق والدفاع عن المبادئ."

قال براوونغ: "يوجد في هذا العالم أناس لا يطيقون النور لأنهم مظلمون."

وكان يحدث أحيانا أن يقوم شخص سطحي بمحاولة الانتقاص من قدر سري يوكتسوار بسبب ظلم مزعوم أو موهوم، لكن معلمي الرابط الجأش كان يصغي بأدب محللا ذاته ليرى ما إذا كان هناك ذرة من الحق في هذا التشهير. وهذه المشاهدات تذكرني بإحدى ملاحظات المعلم الفريدة وهي:

"بعض الناس يحاولون إطالة قوامهم بجز رؤوس غيرهم."

إن هدوء القديس الدائم يفوق من حيث التأثير كل المواعظ . "فالبطيء الغضب خير من الجبار، ومالك نفسه ممن يأخذ مدينة. "

كثيرا ما فكرت أن معلمي الجليل كان بمقدوره أن يكون بسهولة إمبراطورا أو محارباً يهز العالم لو هو وجّه اهتمامه وطاقاته نحو الشهرة أو الإنجازات الدنيوية. لكنه اختار بدلا من ذلك هدم حصون الغضب والأنانية الباطنية التي بسقوطها يعلو الإنسان ويسمو قدره.

المصدر: مذكرات يوغي السيرة الذاتية

للمعلم برمهنسا يوغانندا

ترجمة جديدة منقحة: محمود عباس مسعود

مزيد من تعاليم المعلم برمهنسا يوغانندا في موقع سويدا يوغا

لقراءة المزيد من الموضوعات رجاء النقر على Older Post أو Newer Post أسفل الصفحة



No comments:

Post a Comment